Our sponsors

8 أكتوبر، 2013

مذكرات شبه عسكري




ملاحظات:
- هذه المذكرات الهدف الأول منها هو التوتثيق فقط.
- الدورة العسكرية التي خضتها من اتفه و اسهل الدورات.
- تم لصق المذكرة من الجوال إلى المدونة  كما هي بأخطائها الاملائية و المطبعية.


 8 يونيو-29 رجب, الساعه 10 مساء

لا اعرف لماذا امسكت بهذا الكتاب و اخذت احدق به و دفعه في الحقيبة. 

هل شعور للانتماء و تآكيد اتجاه معين؟ ام مجرد محاولة حمقاء لنسيان ما انا مقدم عليه ؟  او ربما الخوف من محو كل ما تعلمته في ذلك الكتاب؟ 

المعذرة، لقد كنت في لحظة تساؤلات ذهنيه و لم اراعي ان هناك من يقرأ هذه الترهات. 

كل ما في الامر انني حينما كنت اجهز حقيبة السفر و حشرت بها بعض الروايات فكرت اضع معها احد كتب مواد الكهرباء التي درستها و لم افعل ذلك بسبب ان الحقيبة ممتلئه الى درجة التخمه و لم اردها تصل لمرحلة الاستفراغ. 


9 يونيو-30 رجب, الساعه 7 صباحا 

اجلس الآن في صالة مطار ينبع و اشاهد طائرة Skyjet على وشك الاقلاع، إلى اين انا ذاهب؟   


9 يونيو-30 رجب, الساعه 7:17 

انا على وشك ركوب الطائرة، لم يكن هناك ثمة مسافرين كثر،رجل بلباس الاحرام، مصري و عدد من الهنود، مع ذلك اجلس الان في مؤخرة الطائره المقعد 43 في الحقيقه من الاحمق الذي يفكر يسافر من ينبع الى جدة بالطائرة؟ انا ربما و الذي ازداد غباء لانني من جدة ساطير مجددا الى الرياض. بالمناسبه لقد لمحت ان احد المسافرين هو معلم انجليزي حينما كنت في المرحلة المتوسطة، اللعنة عليه.   

يجب ان اكون اكثر هدوء امامي رحلة طويلة، حسنا لا اعني رحلة جدة تلك بل كل هذا الامر برمته .  


9 يونيو-30 رجب, الساعه 7:30 

ها قد بدأنا طقوس اقلاع الطائرة، فترة انتظار لعينه، صراخ الاطفال، بلاهة البعض مع الموظيفات، و ذلك اعني ذلك الضغط الجوي المجنون الذي يكاد يفجر طبلة اذني، يجب ان اتذكر امامي رحلة سفر اخرى. تبا.  


9  يونيو-30 رجب الساعة 9 

اشعر بالحماقه حينما هبطت الى جده لانني سوف اعود ادراجي و اطير مجددا،  في الحقيقه هذه ثاني مرة اكون في مطار جدة، المرة الاولى حينما كنت في الصف السادس ابتدائي خلال رحلة مدرسية الى مركز التقنية و التكنولوجيا او شيء من هذا القبيل و منذ هذا الوقت لازالوا يستخدموا تلك الحافله السخيفه لنقل المسافرين من الطائرة الى المطار. 


9 يونيو-30 رجب, الساعه 9:49 

واو، رائع، مقعدي في طائرة الرياض بجانب رجل و زوجته. في الحقيقة من يقول ان السفر على الطائرة ممتع فهو مخطيء، انا اشبهها كيوم الحشر. 

بعد نظرة اخرى حولي اكتشفت انني وسط عوائل من الازواج و الزوجات و الاطفال. 


9 يونيو-30 رجب, 11:11 

وضعت قبعتي على عيني لاخذ غفوة قصيرة ولم استيقظ الا على يد الرجل المسن ، و قال لي: "فول و لا بيض"، حينما وجدني لا زلت غير مستوعب و انا اعدل من وضعية قبعتي كرر عبارته مع إضافة "الغداء جا"، قلت و كآنه نادل مطعم: "وش عندهم؟" في الحقيقة شعرت بعد ذلك بالخجل، تناولت البيض.  

 ذلك الرجل يذكرني بآحد رجال الاعمال الحجازيين امثال محي كمال الدين و غيرهم، بعصاته الثمينه المزخرفه و غترته البيضاء ، هل تصدقوا خلال رحلة الطائرة اشترى لزوجته عطر قيمته 210 ريال؟      


9 يونيو-30 رجب, الساعه 12 

وصلت الرياض، و اكتشفت ان احد ما مزق حقيبتي بحيث تم انتزاع ذلك الحزام بحقد و الذي من خلاله تستطيع حمل الحقيبه على الكتف و الذي كان هو السبب الوحيد لي لشراء تلك الحقيبه تحديدا، يا له من استقبال.غضبت كثيرا و لم اتوقف عن شتم هذا المطار و العن الحاله كلها. 


9 يونيو-30 رجب, من الساعه 1 ظهرا الى نهاية اليوم 

ربما هذه اول مرة احلق شعري كاملا حتى ان الحلاق نفسه تردد، يا إلهي اشعر و كأن مجزرة حدثت على سطح رأسي. 

*شخير* 

للحظة وددت ان انام ثم انام ثم انام للابد. 


10 يونيو  
1 شعبان

لن اذكر التوقيت بعد الان، لان الوقت لا يهمني و اصبح متشابه الى ان انتهي من هذا الجحيم. و ربما يأتي اليوم الذي تبدو جميع الايام متشابهه ايضا. 

اليوم الاول اعاد لي ذاكرتي مثلما اول مرة ادخل المدرسة، و المضحك حينما يتم النداء على اسمائنا و نحن جالسون قرابة 300 شخص و من  حولنا يقف الاباء و كاننا في حديقة حيوان -ليس والدي معهم حمدا لله-. وصل اربعة حافلات و التي لا تحتوي على اي وسائل تهويه وطوال الطريق تسمع المزح و الضحك لا يتوقف مع روائح الدخان الكريهه. حينما وصلنا المنطقه العسكرية في "خشم العان" و التي بالمناسبه اطلق عليها "المؤخرة الخاصة" ، كان في استقبالنا ثمة معتوهين يبدو انهم للتو انهوا الدورة و الذين من على سيارتهم اخذوا بالضراخ على الحافلات "يا ويلكم يا ويلكم" يبدو كجهاز مذياع لانه لم يتوقف و يقولها على وتيرة واحدة و كأنك دخلت لمصحه للمجانين. 

حينما  دخلنا تم وضعنا تحت الشمس و بدأت"النفسيات العسكرية" تعمل، قلت لنفسي "نحن الان تحت رحمتهم"، لا اعرف كم ساعة جلسنا تحت الشمس ولم يتوقف العساكر من اطلاق التهديد و السخرية و الشتائم، و لا اعرف كم مرة تم النداء على اسمائنا و تم توزيعنا لسرايا و كل سرية تتكون من جماعات يطلق عليها بـ "الحظائر" ، طوال الوقت كانوا يعطونا التعليمات و القوانين و مما اثار غصبي انهم لا يريدوا اخبارنا كم نمكث هنا .  كل عسكري من الواضح يريد التغلب على الاخر في اطلاق الاوامر "و انني انا الشخص المتحكم القوي الواو" لدرجة ان اوامرهم تداخلت بعضها ببعض و لا نعرف نستمع لمن. 

حسنا تم اطلاقنا مدة اربعة ايام حتى نحضر ما يريدوه من طلبات معاقة، فانيلة زرقاء و شرشف ابيض و قفل و هراءات اخرى. لا يجب ان اخبركم طريق عودتنا من الحافلة ليس مثلما قدمنا حيث الصمت هو السائد، اكثر ما ارهقني هو حمل تلك الحقيبة اللعينه خصوصا مع قطع حزامها و المشي على الرصيف تحت اشعة الشمس و انا من الاساس منهك و انتظر اخي الحقير، حتى طفح الكيل و استقليت سيارة تاكسي و كنت في شدة العطش و انا اختلس النظر في قارورة الماء التي بحانب السائق، ولعابي يكاد يسيل و نحن نمر من مختلف مطاعم  الوجبات السريعة.   


15 يونيو الى 2 يوليو  
6 شعبان الى 23 شعبان

استكمل الان كتابة مذكراتي على هاتف الجوال Htc و كآنه اول مرة المس الجوال، بالفعل انها المرة الاولى منذ 17 يوم مقطوعا عن العالم الخارجي بداخل معسكر "خشم العان" او "المؤخرة الخاصة" حيث الحياة العسكرية، اكتب هذه الكلمات و انا اتأمل النظر بعد كل دقيقة في ذلك الثقب الموجود في بطن كفي و اتذكر تلك الليلة التي لم انم فيها سوى ساعتين، و في نفس الوقت اتحسس بشكل دوري اصبع قدمي المدموم و اتذكر اخر يوم من الحجز. 

كنت في البداية انوي الكتابة بشكل يومي خلال فترة الحجز لكن حدث الكثير من المتغيرات التي لم اتوقعها سواء كانت اسباب جسدية و نفسية او طبيعة الدورة بشكل عام، لذلك احاول استرجع ابرز الايام التي قضيتها خلف الاسلاك الشائكه لهذا المعسكر. 

رغم اني كنت مهيأ نفسي تماما لاي امر يحدث خلال هذه الدورة لكنني لم اتوقع ذلك التشديد الكبير على عكس كلام الناس، فرغم كثرة المتفلسفين فوق رأسي قبل بدء الدورة لكنهم فشلوا في نقل التجربة بشكل كامل، لعل ابرز الامور التي كنت اعتبرها نمط جديد في الحياة هو الطريقة التي تعتمد فيها الحياة العسكرية على الاوامر حتى في اتفه الاشياء مثل ارتداء القبعه و خلعها، فيتم معاملتك ليس كفرد بل انت مجرد جزء من مجموعة. 

يبدأ يومنا العسكري قبل شروق الشمس و بساعة قبل اذان الفجر، ليس صلاة الفجر فحسب بل جميع الصلوات تقريبا نبقى في المسجد ساعه على انتظار ،بعد صلاة الفجر نصطف للطابور لاحصاء الحضور و الغياب ، و هذه الطوابير تعتبر امر مقدس في العسكرية و شيء يومي و انا اضيف انها واحدة من اسوأ جوانب العسكرية، و بعدها يتم ارسالنا الى داخل "الميز" او المطعم لتناول وجبة الفطور على نظام حمل الصحن و من ثم يتم ملئه من قبل ذلك الرجل السوداني و لا اي اعتراض عما يضعه حتى و لو كان سم الزرينيخ، بعد الفطور نذهب ساحبين اقدامنا إلى الحظائر (بالمناسبة كانت هذه الكلمة تعتبر إهانه حينما سمعتها اول مرة) و مهمتنا تنظيفها و تنظيف الساحه المجاورة لها، بعد ذلك نصطف مجددا للطابور و نذهب منطلقين الى الميدان و الشمس بالكاد تطل من السماء، نسير هرولة منشدين احد الاهازيج الوطنيه مثل "يا صباح الخير يا بلادي، يا بلادي يا سعودية، نحمي حماك يا بلادي ، ارض و بحر و جوية" و اذا كنا في حالة شاعرية ننشد "متى على الله نطوي العفش ماشيين ، يم الديار اللي ذبحنا غلاها" و في الميدان ثمة طابور اخر و بعدها نبدأ التمارين الى الساعة العاشرة او اقل او اكثر، نرجع مجددا مهرولين الى المعسكر و باهازيج اخرى و ننتظر سواء في الشمس او الظل صلاة الظهر و بعدها وجبة الغداء و في هده الفترة الزمنيه نتعرف على الضابط المستلم و تعتمد عليه اليوم سواء اراد اراحتنا او معاقبتنا و الخيار الثاني هو الدائم، بعد صلاة العصر مسير اخر الى الميدان مع تدريبات مكثفه حتى غروب الشمس، فترة المغرب هي الافضل حيث الراحة و العشاء الى صلاة العشاء، تلك الفترة اطلق عليها باسم "الخذلان"، حينما تخذلك ساقك لتحملك اكثر من ذلك و تبدأ تسير بخطوات غير موزونه و كأنك طفل تتعلم المشي، و بعدها نصطف لتوزيعنا للقيام ب "الهنجرية" او بمعنى تنظيف المعسكر و يخرج لنا الضابط المستلم بخطاب طويل مليء بالتهديد و الوعيد و يعطينا لمحة عن عن مستوانا الانضباطي و على اثرها اما يجلدنا باحدى وسائل العقاب او يطلقنا للحظائر متعبين.          

الاسبوع الاول لوحده او تحديدا اول اربعة ايام، كان التحدي الحقيقي لجميع من التحق في الدورة و هل هو قادر على استكمال تلك التجربة العسكرية ام لا، ليس على صعيد التكيف على البيئه الجديدة و الابتعاد عن الاهل، لان هذه الامور بالنسبة لي تافهه مقارنة مع مواكبة النظام العسكري القاسي بشكل عام، اول يوم لازلت اتذكر كيف انهم اخذوا يقودونا من طابور لاخر كقطيع الغنم و تحت شمس الصباح و الظهيرة، و تناوب علينا ضباط من اشكال و هيئات مختلفة لكن لغتهم واحدة، لغة التهديد و الوعيد، خلال اول يوم حتى قبل ان نتعرف على حظائرنا و نحمل متاعنا قابلت للمرة الاولى "ام الخير" ، تلك السيارة الاشبه بسيارة "الايس كريم" هي الشيء الوحيد الذي يذكرك بالعالم الخارجي، يوجود بداخلها 3 اشخاص من الجنسية اليمنيه و جميعهم نطلق عليهم باسم "ابو علي"، لماذا تذكرنا بالعالم الخارجي؟ لانها تبتاع مختلف انواع السندوشتات و بعض الشكولاته، تلك السيارة اللعينه حتى تجرأت و جعلتني اتخلى عن عصيري المفضل "سن توب" و اصبحت اعتبر عصير "الربيع" مصدر من مصادر إطفاء الظمأ الاولى، حتى بعد ان خرجت من الحجز كلما انظر لهذا العصير اشعر بجاذبيه عجيبه تجاهه لازلت احاول التعافي منها، كنا مجتمعين حول "ام الخير" او كما يطلق عليها ايضا بـ "البيت الابيض" و انا انظر لعفشنا من حقائب و اكياس و شراشف نوم قال لي احدهم "كأننا عمالة على وشك الترحيل" ، اول يوم لم نذق طعم الراحة و طلبوا منا ارتداء الزي العسكري، الجميع متلهف لهذه اللحظة و لم نعرف ان سيأتي اليوم التي بودنا ان نحرق تلك الملابس فجميع ما مررنا به خلال الدورة كانت البدلة العسكرية شاهدا عليها، بداية من السترة الثقيلة و الحامي الوفي اقصد القبعة و الحذاء العسكري او "البسطار" اللعين واحد من خصومي خلال هذه الدورة، حينما لبسته لاول مرة شعرت ان قدمي تاهت بداخله لكن بعد ذلك اصبح"البسطار" كأنه قطعه واحده من قدمي خصوصا انك لا تخلعه الا عند نهاية اليوم. 

ثمة امر عجيب خلال الايام الاولى و كأنني وقتها اعيش في العالم الموازي من الحياة المدنية، مثلا بعض اللحظات تذكرني في ايام سابقة، مثلا شعرت لوهلة انني بحجم اصغر و ادخل المدرسة لاول مرة، او حينما انظرلبعض الطلاب بعضهم يذكروني في زملائي في الكلية سواء في الشكل او الكلام، حتى الضباط و المتدربين هناك من ذكروني بالمشرف علي حينما كنت اطبق في شركة "سامرف" او ذلك المعلم في المرحلة المتوسطة، كما قلت شعرت انني في عالم و حياة اخرى، حتى احد الطلاب معي في الحظيرة ذكرني كثيرا باحد الطلاب الذين درسوا معي في نفس الكلية، و لذلك اردت التقرب منه ليس لـ "سواد عينه" بل لانه لمحه من ذكريات، في اليوم الاول و خلال الطابور تحت الشمس كان هذا الشاب يقف امامي و يرفع يده للضابط يريد شرب الماء، ضربت كتفه قائلا بمزح "تحمل يا رجل" و لم اكن انا شخصيا بحال افضل منه، رغم انه استطاع شرب الماء لكن فترة الوقوف طالت تحت الشمس و كانت كفيلة بإذابة ما شربه، الى ان بدؤوا في نقل القطيع لمكان اخر و صدمت ان هذا الشاب من العالم الموازي ذهب للعسكري قائلا"ابغى اطلع" ، العسكري و الطلاب اردوا منعه و اقناعه لكنه قال "هذا قراري الاخير" ، بعدها اختفى الشاب من العالم الموازي حتى قبل ان يكتمل اليوم الاول و لم اعرف اسمه قط، في الحقيقه سألت نفسي "اذا يعرف هذا الشاب كيف هي رغبتي تجاه العسكرية و بنيتي الضعيفه فأنا احق من الانسحاب منه"  
لكنني لم افعل. 
تبع ذلك اليوم ايام اكثر قسوة و عذاب، الكثير من حدثتهم فكروا بالهروب و اخرين جهزوا حقائبهم ، و هناك من لاذ بالفرار فعلا قرابة العشرين شخص على عهدة الراوي، طبيعة الدورة لم يكن احد يتخيلها بهذا الشكل، بكل بساطه لا يوجد وقت للراحة، لا يوجد وقت لالتقاط الانفاس ، الشمس خصمنا الاول تلسعنا من جانب و الضباط يركلونا من جانب اخر، لقد كنا نعيش في عنق الزجاجة او كالغريق الذي ليس هو غرقان او ناجي، ينتهي اليوم و العرق يصل لمستويات لم اشهدها من قبل ليس فقط من ناحية الكميه بل من ناحية الرائحة التي تخطت الرائحة المعروفة الى رائحة اشبه بالبول، كم ضحكت من فكرة احضار رواية معي حتى تلهيني وقت الفراغ، هه ليت هناك وقت كافي للنوم ، اعرف اعرف ان تلك الدورة اهون من اي دورة عسكرية في السماء او في الارض ، لكن الفارق هنا هو ان الاغلبيه لا رغبة له بها و لم نكن نعرف ماذا اقحمنا انفسنا به و ايضاً نحن من الاساس نبحث عن المال خلفها، على عكس من سار بقدمه باتجاه السلك العسكري، لو تتخيلوا معي من شخص يسهر الليالي في مشاهدة الافلام و يقضي اغلب وقته في لعب الفيديو جيمز و تصفح الانترنت، فجأه يصبح بداية يومه قبل شروق الشمس و حرفيا تدريبات مكثفه تحت الشمس و لن تنتهي منها الى الساعة 10 او 11 مساء ، كانت ابسط مطالبنا هي ان نحظى بالنوم و الماء فقط، المشكلة ليست من طبيعة التدريبات جميعها هرولة و "استرح و استعد" ، لكن المرهق هو استمرارها الى ما لانهاية حتى حضرة المدرب يستطيع سماع جميع الطلاب ضربتهم واحده على الارض، و ما يزيد الامر توتر و يجعلك تخرج اقصى طاقتك طوال اليوم هو العقاب لكل من يتم اصطياده يؤدي بشكل غير صحيح، و طوال الوقت يصدح صوت المدرب بالتهديدات و الشتم و السخرية، و كلما يتعب احدهم يأتي شخص اخر مكانه، دوامة لا تنتهي. شخصيا احيانا لا اصدق الواقع الذي انا فيه، كنت قبل 3 شهور اتذكر كتبت تغريدة على موقع "تويتر" اقول فيها "لقد قضيت افضل ايام حياتي" ، و اعني تلك الايام التي كنت اعمل كمتدرب في شركة "سامرف" ، و انا الان من المفترض بعد التخرج من الدراسة احصل على مكافأة و ليس قضاء دورة عسكرية، هه شكرا للحياة العادلة، حتى انني لم استلم او ارى وثيقة تخرجي، حينما اصطف في الصباح في الطوابير و امامي الطلاب و الضباط و العساكر لطالما اعتقدت ان هذا مجرد صورة ساكنة لست جزء منها، لكن بعد ان ارفع يدي و اتحسس شعري و اتأمل ملابسي العسكرية تتلقفني الصفعه انني لا محالة جزء من هذه الصورة ، اللعنه، سألت نفسي كثيرا ماذا افعل هنا بحق رب السموات السبع  ؟ 

اول جزاء. 

كنا حمقى في اعتقادنا ان المدربين قديتعاطفوا معنا اذا اظهرنا بعض الضعف و التهاون لكن النتيجه كانت عكسية، هذا ما حدث في ثاني يوم تقريبا الساعة 8 صباحا، (المعذرة الاوقات هناك غير معترفه بها)، عدد من الطلاب تكاسل عن اداء التمرين امام قائد فصيلنا الفصيل الثالث، (للمعلومية هناك سريتان الثامنه 'الازرق' و السابعه 'الاحمر' كل سرية يوجد بها 3 فصائل و كل فصيلة يوجد بها 5 حظائر) ، ذلك المدرب غضب من ادائنا الهزيل و هو اول من طبق على فصيلتي اول عقاب و الذي يقتضي تشبيك اصابع اليدين فوق الرأس و من ثم الجلوس و النهوض، رغم ان هذا العقاب اصبح عادة لدينا يوميا لكن قائد الفصيل الثالث هو الوحيد الذي اذاقنا مرارته، لانه استمر قرابة 50 مرة او اكثر و هو يقول "اجلس انهض" ، كنت انتظر اللحظة التي اسمع فيها صوت كسر احد عظام مفاصلي، و رغم ذلك استمريت في اداء العقاب و حينما انظر حولي اجد هناك من يعاني اكثر مني، فتسمع اصوات السعال و التآوهات و احدهم بجاني بصاقه اخذ في الخروج من فمه، كنا في حالة مزرية.   

ايامنا كانت تعتمد في سوئها او تحسنها على حسب الضباط المستلمين رغم انهم جميعا من طينة واحدة، لكن على الاقل هناك السيء و هناك الاسوأ، اصبح كل ضابط لديه صفاته التي تتميز عن الاخر، اعني صفات نحن الطلاب من نصنفها و نسخر منها، مثلا دلك الرائد ذو "الفك المكسور" او المتدرب "الابرص" الذي يذكرك في شخصية العجوز الساحرة الكرتونية، فهو طابعة كاتبة من الشتائم اشهرها "يا الوصخ" او جملته المضحكه "انتم جيل النيدو" ، او ذلك المتدرب المشهور بعبارته "يا المروح" ، و هناك الضابط الوحيد الطيب الذي اذا اطلقنا للحظائر للنوم يحدق بنا من بعيد و اي شخص لا يهرول يعيد السرية كاملة، نعم انه طيب القلب لانه دعا احد الطلاب للعشاء، و لا انسى وكيل سريتنا السرية الثامنه الذي اطلقني مع مجموعة من الطلاب السيئين في المشاة نهرول في ساحة ترابيه واسعه و يركض من امامنا 5 كلاب، نعم انه طيب القلب لدرجة احيانا اقول هذا الشخص من المفترض معلم في مدرسة ابتدائية. 

الجزاء الثاني. 

احد ايام الاسبوع الاول لا اتذكره تحديدا لكن اتذكر ما حدث فيه بكل التفاصيل، احد المدربين "تكرم" علينا بإراحتنا داخل احد الفصول المكيفه و كوننا بشهادة عدد من الضباط اسوأ سرية مرت عليهم، حيث وصفونا اما "بشلة حونشية" او "مجموعة من الافغانين" تسببنا بإزعاج في هذا الفصل على طريقة المدارس، و للمعلومية عدد كبير في السرية الثامنه من المراهقين الصغار ، اللعنه عليهم اعادوا ذاكرتي للوراء، ما حدث ان حكم علينا بعقوبة "التصليب" و لطالما ازعجونا بحكمتهم العسكرية"الشر يعم و الخير يخص" ، مقتضى العقاب ان نقف جميعا تحت شمس الظهيرة في وضعية "الثبات" بمعنى و لا حركة، لا انسى تللك اللحظة و العرق يستفزني و هو يسير بجانب عيني و من ثم يسقط بكل حرارته داخل عيني ليصبغها باللون الاحمر، اما اذا اردتم معرفة حال ساقي فهي من الاساس منهكه من تدريبات اليوم و لقد شعرت لوهلة بتصلب عجيب في ساقي كأن سيخا من الحديد قد تم غرزه في فخذي و تركه هناك، لم اصدق حينما انتهى العقاب بتدخل من ضابط قصير القامه اننا كنا على هذا الوضع ساعة كاملة! مضى الوقت و لم اشعر به، لكن اتعرفون ماذا الذي هون من هذا العقاب و غيره من المواقف الحرجه؟ اكتشفت حقيقة مهما تعرضت من لحظات عصيبه انت وحدك من تستطيع تحويلها لتجربة مختلفه، مثلا خلال فترة "التصليب" و غيره من ايام الطوابير العديده و التدريبات اللعينه ثمة طلاب لديهم القدرة على تحويل هذا الضغط للحظات كوميديه مضحكه، فهم لا يتوقفوا عن اطلاق النكات و السخرية من المدربين و حتى حينما يتم شتمنا تجدنا كأننا عبارة عن بالونه بالكاد تكتم نفسها من الانفجار و انا اعني هنا الانفجار من الضحك، لحظات عديدة سيئة كم ضحكنا فيها كثيرا حتى من اتفه الاشياء، و صدقوني لايوجد اكثر ما يغيظ الضباط هو الابتسام بوجهه خصوصا حينما تتعرض للعقاب، اعرف شخص يوميا يتعرض للعقاب صباح مساء و بكل الانواع و الطرق، من الزحف على الاكواع و الدحرجه على ظهره و بطنه دون ملابس و وضع الحجر الخرساني داخل حذائه و الركض بها، ماذا كان يفعل هذا الفتى؟ سوى الابتسام و نحن نستقبله بموجه من الضحك.           

في الحقيقة عقوبة "التصليب" واحدة من العادات التي اصبحنا نمارسها يوميا، القبعه التي ارتديها هي سلاحي الوحيد ضد الشمس حيث تشبعت بكمية وافرة من العرق، لقد رأيت من هو يغمى عليه و يتم سحبه للظل حتى يستعيد وعيه، و في مساء احد الايام حينما كنت اقوم بتنظيف المعسكر و انظر من خلف الاسلاك الشائكه للحريه و الى قرابة 5 كلاب لا تتوقف عن النباح و الطواف حول المعسكر، كنت اجمع بعض علب المشروبات الغازيه و إذا بحشرة لعينه اخذت بقرصي و رغم انني قذفت كل العلب التي بيدي الا انها مشبثه بكل اصرار، و رأينا الرائد ذو "الفك المكسور" و هو المستلم لهذا اليوم يركب سيارته و يغادر، نعم اتذكر هذا اليوم انه مساء يوم الجمعه من اول اسبوع، كنا نعتقد ان اليوم انتهى بذلك لكن ما تعلمناه لاحقا ان الايام في الحياة العسكرية لا تنتهي حتى شروق الشمس و خلالها توقع اي امر يحدث، و بالفعل بدل ما يتم قذفنا للحظائر لنحظى ببعض النوم فتم تشكيل طابور اخر امام مبنى القائد و إذا بهذا الرائد ذو "الفك المكسور" يطل علينا و اخذ بألقاء خطبه اننا اسوأ من رآى من طلاب عسكريين، و كيف اننا لم تعلم شيء طوال اسبوع حتى كيفية الاصطفاف بالطابور، و على هذا حكم علينا بـ "التصليب" و لكن هده المره دون ضحك و مزح و لم نستطع نستغفل احد حتى نحرك جزء من عظامنا، لان هناك 3 مدربين يطوفون الصفوف لاصطياد اي طالب يتحرك، واحد منهم كان في صفنا حيث كان يهمس لنا "اصبروا ما بقى شيء" ، امامي بجهة اليسار مباشرة رأيت طالب يستفرغ حتى انني اتذكر لون السائل الذي يخرج من فمه و يمكنني التنبؤ انه تناول عصير "ميرندا" ، من خلال خبرتي البسيطه استطيع ان اقول ان الضباط يفرحوا حينما يروا مثل هذه المشاهد حتى يقول "انتم ضعفاء لا تتحملوا مثل هذه العقوبات" و يجعل من هذا الطالب كضحية امامنا، شخصيا ان لا اتمنى ان ارى امر مثل هذا لانه اشبه بإعلان هزيمة. 

ماذا عني؟ انا الشاب النحيف الذي يحتمل يعاني من فقر دم، اكبر اشقائي سخر من استطيع الصبر ليوم واحد، الى جانب الارهاق و التعب و الالام الساقين التي يعاني منها الكل، خلال لحظات "التصليب" انا نفسي لم اصدق انني استطعت تجاوزها ، شاهدت من هم اقوى جسم و بنيه مني و رجال "شنبات" فقدوا صبرهم، هل فكرت بالانسحاب؟ من يعرفني يعرف مقدار كرهي لهذه الدورة قبل ان التحق بها، و كيف انني راوغت و ماطلت كثيرا عامين حتى اتجنبها، لكن حينما بدأت و مررت بالايام الاولى القاسيه، كنت انتظر لحظة الانهيار، اتعرفون ماذا افكر؟ قلت في نفسي لن اترك هذه الدورة الا و انا على نقالة او سيارة اسعاف او نعش الموتى، كنت اعرف قدرات جسمي الضعيفه لكن وضعت لنفسي مباديء ، لا اتشكى، لا اظهر ضعفي، لا اظهر خوفي، لا اعرف ما السبب الذي دفعني للاستكمال رغم انك اذا وضعت ترشيحات لابرز الاشخاص المتوقع انهيارهم او انسحابهم فسوف اتصدر القائمه، السبب مثلما قلت يجتمع ما بين عدم رغبتي في الدخول في هذا المعترك و محاولة استكمال دراسة "البكاليورس" الجانب الذي انتمي له، إضافه لضعف بنيتي الجسديه و التي من البداية حينما تم الكشف الطبي لم يقبلوني الا بواسطة، كيف صمدت؟ اعتقد السبب يعود انني جعلت من هذه الدورة ليس لاتعلم الامور العسكرية او حتى احصل على وظيفه مريحه، بل جعلت من هذه الدورة تحدي لاختبار مدى صبري و تحملي و الى اي مدار ممكن اتوقف، اعيد السؤال: كيف صمدت؟ اعتقد ان الاجابه الحقيقيه ان والدتي لم تتوقف عن الدعاء. 

النوم و الماء 

ذكرت سابقا ان هذاين الشيئين اللذان تتمتع بها بكل سهولة في الحياة المدنية يختلف الامر كثيرا في الحياة العسكرية، مع كل هذا العمل المتواصل قبل شروق الشمس الى المساء فنحن لا ننام سوى 3 ساعات و احيانا اقل! اتذكر اول يوم نمت فيه كان النوم اشبه بالوجه القبيح، نوم متقطع مليء بالكوابيس (انام بدون وسادة و لا شرشف سوى منشفه اتلحف بها رأسي) و في كل مرة اغير من وضعية نومي احتاج بضع دقائق حتى ارفع قدمي المنهكه ببطء و حتى افعل ذلك جميع الاسرة تملك صوت مزعج مع ادنى حركه تهتز مثل "الهندول" ، تذكرت ذلك الشاب الذي كلما يأتي موعد النوم يقفز بكل قوة باتجاه السرير و يحتظنه و كأنه عشيقته، يتم ايقاظنا من النوم اولا عن طريق صوت جرس ثانيا عن طريق المدربين و كلا له اسلوبه، اتذكر احدهم ايقظني قائلا بنبرة شديدة "وش اسمك؟" ، و لكن ما زال عالق في ذاكرتي ذلك العسكري الذي قلب السرير على عريف حظيرتنا، كم ضحكت كثيرا على هذا المشهد الى ان شرقت الشمس، حينما تستيقظ و ترتدي ملابسك العسكرية القذرة المليئه برائحة العرق و التراب، من بداية عتبة مبنى الفصيل الى طول داخل المسجد تجد الكثير من الطلاب متمددين في حالة يرثى لها، و حينما تدخل المسجد تجد مجموعة اخرى "منسدحه" رغم انه ممنوع و لها عقاب اذا لمحك الضابط لكننا نعين بعض اذا دخل احدهم، الاكثر تعبيرا لحالة "الفقر النومي" الذي نعانيه جميع الجالسين في المسجد بلا استثناء ترى رؤوسهم تتراقص يمينا و يسارا، حتى ان احدهم صلى الفجر و في التشهد الاخير لم يسلم مع الامام او المآموم لانه كان يغط في نوم عميق, حتى خلال الطوابير هناك من ينام واقفا! شخصيا جربت كل انواع النوم و"تسدحت" في كل بقعة و تحت كل سماء، النمل اصبح اصدقائي خلال فترة النوم، خصوصا حينما تكون هناك استراحة قصيرة في التدريب استغلها في النوم، و حينما استيقظ ملابسي عبارة عن كومة من التراب و جسدي مليء بالعرق، اوه، كنت في السابق اقول ان الشمس هي خصمنا الاول لكنها مع الوقت اصبح بيننا علاقه حميميه، لدرجة كل يوم استطيع قياس درجة الحرارة و خلصت الى اكتشاف ان شمس العصر هي الاقوى، مثلما ذكرت ننتظر اي فرصه و لو قصيرة حتى نغفو فيها و تقريبا جميع تلك الفرص ممنوع النوم فيها، فأمر طبيعي ان تخرج من المسجد و تجد بجانبك احد الطلاب ينفذ جزاء "مشية البطة" او غيرها، ماذا عن الماء؟ الماء سر الحياة هه، طوال وقت التدريب او اغلب وقتك في المعسكر لا تستطيع شرب قطرة من الماء دون اذن، خلال التدريب يتم اعطائنا فترة راحة قصيرة لشرب الماء و حينما يتم اعلان تلك اللحظه تجد افواج من الطلاب قرابة المئة يركضون بكل ما اوتوا من قوة و كأن مخلوق متوحش يلاحقهم، يتزاحمون على خزانات الماء يتضاربون فيها، فوضى عارمة و مجاعة حقيقيه، في هذه اللحظه تكون او لا تكون، رغم ان بعض المدربين في البداية يحاول تنظيم طابور طويل و كأنه مقطورة قطار لكن في اللحظة التي يرحل فيها المدرب الجميع يفقد السيطرة، كنت اقحم وجهي ليحتك بالاوجه القذرة الاخرى و اتشبث بصنبور الماء و اغدق الكثير على وجهي و لا يجب ان تشرب حتى تروي عطشك بل يكفي انك شربت فحسب، انتقلت الى فكرة و اسلوب جديد لشرب الماء حتى نطفيء ظمأنا حقا و هو اخذ قوارير المياة من على الارض لا يهم اذا كانت قذرة ام لا، و من ثم تعبئتها و تستطيع شربها بهدوء، لكن يظل هناك معضلة الوصول للصنبور، احد المرات انا برفقة البعض جلسنا باسفل خزان الماء بحيث لا نرى سوى صنبور الماء و العديد من الايدي و القوارير، لذلك تشعر بالنشوة حينما تدخل يدك في معركة من الايدي حتى تخرج منتصرا و الماء يتتطاير على ملابسك، انتشرت فكرة استخدام قوارير الماء لدرجة انك بالكاد تجدها و اصبحت تلك القوارير منقرضه، هنا يلعب الحظ دور كبير، اما ان تشرب بالطريقة التقليديه او تجد احدهم فرغ من احد القوارير و يعطيها لك و في الغالب لا يعطيها الا للمقربين منه، لذلك اصبحت اقف مثل الشحاذ كلما ارى احدهم يملك قارورة اقول له "تبيها؟" ، هناك صنف اخر و هو الذي يعرض عليك صفقه ان يمنحك القارورة بشرط ان تملؤها له، او العكس صحيح، كنت افكر لو ان تاجر "هامور" رأى حالنا لجعل ثمن القارورة 5 ريال و الماء نفسه 5 ريال، للمعلومية هناك ثلاجات للمشروبات الغازية و الماء، و الاخيرة لطالما سحبت مني نقودا و لم تعطيني سوى ابتسامه ساخرة، لذلك في كثير من الاحيان لا اجد سوى المشروبات الغازية لاطفاء ظمأي ، و استطيع ان اؤكد خلال تلك الدورة شربت من "البيبسي" و "السفن اب" و "الميرندا" اكثر من ما شربته في حياتي كلها، في احد اللحظات التى لا تنسى كنت قد سئمت من معارك الماء و تمددت على الارض اتأمل السماء الصافيه، و في احد اللحظات النادرة كان هناك عامل يستغل تلك المجاعة و اخذ يبيع الماء (هو نفس العامل الذي يهرب السجائر و يحلق الشعر و يبيع بطاقات الهاتف و يغسل الملابس بأسلوب بدائي يسبب حساسيه للكثير) كنت ارى احدهم من السرية السابعة قد اشترى كرتون ماء و يقذفها على الطلاب، و في نفس الوقت هناك من سريتنا من اشترى بضع قوارير و كنت اقول محال ان تصل لي، و حينما كنت متمددا اذا به يقذف الماء باتجاهي، كانت لحظة هستريه التقطت الماء و ابتلعته دفعه واحدة، اقسم بالله هذا ما حدث، سبحان الله كنت عاجزا عن التعبير. 

نايف مشعل

هو الشخص الوحيد الذي اتعمد ذكر اسمه، لإنني لم ارى شخص في حياتي مغرورا اكثر منه، فهو اما ان يكون مريض نفسي او يعاني من عقدة نقص او انه تعرض للطرد حينما اراد الدخول في مجال التمثيل، اليوم الذي استلم فيه كنا نعتقد انه مثل غيره من الضباط الذي يبدأ خطابه بالتهديد و الوعيد و حتى جميع انواع الجزاء جربناه، في العسكرية حينما يقول الضابط "وزنا" جميع السرية تصرخ "الله" ، لكنه يعتقد ان الصوت غير قوي بما فيه الكفايه، لذلك وقعت انا كضحيه له يتسلى بها ، وذلك حينما ارادني ان اصرخ وحدي "الله" بأعلى صوت ، اطعت الامر و في كل مرة يقول "اقوى" كنت اشعر ان صوتي رحل بعيدا خارج "خشم العان"  في النهاية قال لي "صوتك به كميه من الحنان" قلت في نفسي "حنان كافي بأن لا احطم اسنانك و بما فيه من تقويم" ، اطلقنا "نايف" للحظائر للنوم هذه بادرة حسنة جدا القليل من الضباط من فعلها، كان هذا في فترة الظهر، قبل صلاة العصر اطلق الجرس للاستعداد للطابور ، كنا في وضع فوضوي بعيد عن الاسلوب العسكري ، هناك من ذهب لدورة المياه للوضوء وهناك بالكاد استيقظ، و بين هذا و ذاك اخذ "نايف" بالتجول و هو يقول كلمات الاطراء و الاعجاب بشكل ساخر، الى ان صرخ "ثااااااابت" و هو امر عسكري يجعل الجميع يتسمر في مكانه ، هناك البعض لازال يلبس سترته و الاخر للتو خرج من الحظيرة و اخر من يغسل وجه، الجميع وقف و كأن احدهم ضغط على زر Pause  ، كنت انا من ضمن من اصطف للطابور رغم ان هذا لا يعني شيء، ثمة خظأ من جانب الضابط انه لم يخبرنا ماذا يريد اذا ما نذهب للصلاة او للطابور و اذا هناك طابور لا نعرف اين نصطف، مشى"نايف" متبخترا و هو يصفق و يقول عبارات السخرية امثال "انتم افضل سرية، لديكم سرعه عاليه في تكميل الطابور، انتم يفضل ان تتخرجوا اليوم، رائع جدا" و من ثم انتقل لاسلوب التهديد و توعدنا بعقاب لن ننساه، و الوعد بعد صلاة العصر، الكثير من الطلاب سخر منه و ماذا يمكن ان يفعله، هل سوف يضع السيف في اعناقنا؟ 

خرجنا من المسجد مهرولين كالعادة، و تفاجأنا بمنظر غير مألوف،"نايف" احضر سيارته Fg داخل المعسكر و امام الطوابير، انا لم اكترث لهذا الامر لكن ما اثار غيظي الطريقة التي يجلس بها هذا الضابط و هو يدخن السيجارة، لحظات و خرج بسيارته، بينما نحن من المعتاد لدينا تدريبات في الميدان، تفاجانا تم اقتيادنا لميدان اخر اكبر سعة و ذو مساحة ترابيه واسعة، وصلت التعليمات بان نهرول حول هدا الميدان الواسع، و في منتصفه كنا نشاهد سيارة "نايف" يراقبنا من بعيد و يتحرك من جهة لاخرى، شخصيا ضحكت من هذا العقاب و الكثير سخر منه، لا انكر ان واجهني التعب و نحن لازالنا في اول دورة على الميدان، احد الطلاب الصغار كان يشتكي من العطش ، بالنسبة لي كنت ارى انني استطيع الاستمرار، الهروله كانت تقتضي ان نسير بحسب تشكيل صفوفنا دون خلل، لكن هذا لم يحدث، هناك من انهكه التعب و تخلف عن الصفوف و اخرين اخذوا بالمشي ببطء، كنا نرى سيارة الضابط كلما تتحرك باتجاهنا و كأنه وحش يلاحقنا نهمس لبعضنا "جا جا جا" ، اكملنا دورتين و اتى "نايف" بعد ان انهى سيجارته الثانيه -ربما- ليقيم ادائنا و الذي كان سيئا بكل المقاييس، السرية السابعه كانت قد ذاقت نفس العقاب لكن الفرق انهم يملكوا مدرب رائع رفع من معنوياتهم بالاهازيج و اخذ يهرول معهم طوال الوقت حتى انصرفوا و لم يتركهم قط، بينما نحن السيئين قرر الديكتاتور "نايف" ان يتجه للجزء الثاني من العقاب، ما هو يا ترى؟ الزحف على بطوننا، لكم ان تتخيلوا قرابة 149 او اكثر يزحفون على الارض الترابيه الصلبه و تحت اشعة الشمس مع تزاحمنا مع بعض، كنت في اول ايامي في المعسكر قد شاهدت احدهم ينفد هذا العقاب و لم اتوقع ان اكون في مكانه يوما ما، في الحقيقة حاولت ان احث البعص على العصيان فانا متاكد اذا نصف السرية رفضته فلا يستطيع فعل شي ء، هل يفصلنا جميعا؟ ام يزجنا بزنزانه واحدة؟ لكن على اية حال لم يستجب احد، و قلت في نفسي "الموت مع الجماعة رحمة" ، زحفنا جميعا و كاننا في احد خنادق الحرب او اننا "جرابيع" يتسلى  باقتناصها ، و مرة اخرى تجلى اكتشافي الجديد لهذه الحياه، كما ذكرت سابقا نظرتك للامور مهما كنت في وضع صعب تستطيع تحويلها لامر اكثر قبولا، جعلنا من رحلة الزحف امر ساخرا ، التعليقات الطريفه و رمي النكت و الابتسامات و القهقات لم تتوقف، اتذكر احد الطلاب اسدى لنا نصيحة قائلا "مهما ما نتعرض له من عقاب واجهه بابتسامه عريضه" ، اخذت ازحف بشكل لم اتوقع ان اقدر عليه حتى مررت من احد زملائي في الحظيرة قلت له و انا اضرب على ساقه "كيف هي امور الرحلة؟" قال لي و وجهه مكسو بالتراب "الامور طيبة" ، زحفت اكثر و انا اتحدى البعض "من يسابقني؟" ، رغم كل هذا الزحف كنا نتحايل على هذا الـ "نايف" ، في اللحظة التي نشعر اننا غير مراقبين ننهض و نتقدم خطوات ثم نمثل على اننا نزحف، انتهى العقاب و انتقل الضابط للجزء الثالث من العقاب و هي "مشية البطة" ، الكثير بما فيهم انا لديه خبره في هذا العقاب و لم يشكل اي معاناه لنا رغم اننا استخدمنا نفس الحيل في الجزاء السابق، رغم ذلك لقد كنا منهكين، ملابسي اختلط بها العرق و التراب، و يدي كانت مليئة بالندب، جلسنا و تمددنا نلتقط انفاسنا و نزيح عن اجسادنا بعض القذارة، تحدث "نايف" انه على وشك الانتقال للجزاء الرابع، لكن انطلق من الطلاب الكثير من التوسلات و التعهدات، لم يعجبني هذا اطلاقا، كنت ارى ان هذا هي المذلة اكثر من العقابات نفسها، بصقت ترابا عن يميني -لانني اكلت تراب حرفيا- و قلت لاحدهم "هذا ما يريده هذا الوغد" ، بالفعل استطيع ان ارى من خلف نظاراته الشمسيه ان غروره و كبريائه قد تم إشباعه، احدهم اخبرنا ان "نايفه" قد تسببت في السابق بإدخال 40 طالب للمستشفى، هذه معلومة مؤكدة ، لعنة الله عليها. (ضمير المؤنث مقصود لإنه خنيث) 

لقاء مع نفسي . 

واحدة من الايام الجيدة حينما جرت منافسه بين السرية السابعه و سريتي الثامنه، كنا متحمسين ليس بسبب المنافسه نفسها بل للمكافأه التي نحصل عليها و هي "الراحة"، اتذكر اللحظة و صدى صوتنا يحلق كلما يقول المدرب "للامام سلم" حيث نرفع ايدينا سريعا للتحيه العسكرية مع كلمة "واحد" و من ثم ننزلها في لحظة واحدة، اما عن الاستعداد و الاستراحة فقد فتتنا الحجار التي تحت اقدامنا، كنا نريد الفوز، النتيجه النهائية كانت عادلة -اتوقع مقصودة ايضا-، الجميع فائز، السرية السابعه افضل استعداد و استراحة، بينما نحن افضل مشاة -اعتقد باستثنائي- لحظة اعلان النتجية سعادتي فاقت سعادة فوز "ريال مدريد" في احد المباريات، اخذنا حريتنا في التصفير و التصفيق و كلا يتشمت في السرية الاخرى، رجعنا للمعسكر مهرولين مع ترديد اغنية "سليم سليم وش اسوي لمحبوبي" .  

لم اتحدث بعد عن مجتمع الطلاب الذي عشت معه، رغم انني من عائلة نجدية و ثمة اقارب لي يعيشوا في الصحراء و الخيام، لكن لاول مرة اغوص في المجتمع البدوي، في الحقيقة وجدت صعوبة في فهم عقلياتهم او حتى التخاطب معهم و هم كذلك بالمثل معي، الكثير من المحادثات تنتهي بهزة رأس تدل على "التسليك" ، بينما انا حينما لا افهم احد عباراتهم كل ما افعله هي ابتسامه بلهاء، الكثير قدم من بيئات مختلفه تماما عن بيئتي، طريقة تفكيرهم للحياة بسيطة و متواضعه، مفهومهم للترفيه "ترقيم البنات" و "التفحيط" و بيع و شراء الاغنام، و مستواهم التعليمي لا يتجاوز مرحلة الثانوية (انا و شخص الوحيدان اللذان نملك شهادات عليا) ، رغم قصر الوقت للتجمعات حاولت ان اندمج معهم و فشلت، لساني تعوق ما بين الحديث بأسلوبهم او بالطريقة التي اعتدت بها، و الكارثة حينما انسى نفسي و ادخل احد كلمات اللغة العربية الفصحى، رغم انني تعلمت انهم يستخدموا كلمة "يا رجال" او "يا ذيبان" و ليس "يا شباب او يا عيال"، انا لا احاول التكبر او الترفع عنهم لكن كل ما اريد قوله ان ذلك المجتمع برمته شعرت انني لست طرف فيه، الجميع متأصل فيه العادات و التقاليد الكريمة، فمشهد نزاع احدهم امام "ام الخير" من يدفع حساب الاخر اصبح امر مألوف، احد المرات تم دعوتي للعشاء تحت ضوء القمر، و اكتشفت ان القبلية متأصله بهم، فهم يكونوا تجمعات من قبائل واحدة، رغم اني اكره ذكر اسماء القبائل لكن لاحظت ان اغلب من في الدورة لا يخرج من 4 قبائل رئيسية: قحطاني، عتيبي، دوسري، مطيري ، و هذا ما قادني لتساؤل ربما لم يفكر فيه احدهم: هل هذه هي اكبر القبائل التي شاركت الحرب مع الملك عبد العزيز؟ لكن مع صعوبة التفاهم مع هذا المجتمع الجديد لي، لكنني في نفس الوقت استطعت التكييف معه، و كل طالب فيه يعتبر صديق لك، الكثير منهم نتقابل لاول مرة و مع ذلك نتبادل الحديث لفترة طويلة ثم لا نرى بعضنا مرة اخرى، مثلا نتعاون فيما بيننا حتى و لو لا نعرف بعض، مثلا حينما تكون جالسا منهك و تحتاج لدفعة للنهوض كل ما عليك رفع يدك ليلتقطك احدهم، او اذا اردت نوم على طريقة خمس نجوم يمكنك ان تستخدم فخذ احدهم كوسادة، جميعنا يعيش نفس الظروف و الضغط لذلك جميع الحواجز  تجاه بعضنا تتحطم، على صعيد اخر شاهدت من تغير اثناء دخوله للدورة، مثل الذي يدخن لاول مرة او احدهم اصبح متصلب النفسيه من كثر ما يتم عقابه زحفا على بطنه.         

عدنا الى حظائرنا بعد تلك المنافسة، خلعت سترتي و وقفت بجانب الشرفة انظر لمظاهر الفرح و السخرية بعد هذا اليوم الجيد، كنت اشعر بالرضا و معنويتي مرتفعه على عكس اول ايام، لكن في ذلك اليوم و في تلك اللحظه ادركت انني لا انتمي كليا الى هذا المكان، قد يكون هناك بعض الذكريات لكنني لا اعتقد ان اعتبرها افضل ايامي، مجرد تجربة و مضت، انها مجرد ذكريات لكن لا اريدها ان تتكرر ، اخذت انظر للطلاب هناك من يقذف بعلب المشروبات الغازية، و بجانبي احد ما يدخن بخيفه، و هناك من جعل نفسه مهرجا للقيام ببعض الحركات المضحكة، و اخر جعلني مراقبا انبهه حتى يفرغ من الحديث بالجوال المهرب، و للعلم شاهدت جانب عجيب او ربما انا الشخص العجيب، فجميعهم يتقطعون الما حتى يقابلوا اهاليهم، الجوالات المهربة عديده و محادثتهم يوميا و بالتفصيل الممل، اما انا رغم ان احد ما سألني "كلمت ابوك؟" اجبته بالنفي و عرض علي ان يعطيني جواله قلت له "لماذا احدثه؟ ليس لدي شيء لاخبره به" لم ارى هذا الشاب مرة اخرى، لم اشعر بالحنين مثلهم كلما افكر به فراش وثير مع قارورة ماء، وسط تأملاتي تلك و انا على شرفة الحظيرة، تذكرت انني كنت اريد ان ارى نفسي، نعم لا توجد مرآه سوى صحن "الميز" الذي لا يعطي صورة واضحه، الكثير اخبرني ان وجهي تغيير و كل لحظة يسألني احدهم عن احد العلامات في وجهي حيث ان القبعه احدثت دائرة حول رأسي مثلما ذكر لي احدهم "مسوي قصة كوبريا" ، رغم اني هناك من اخبرني ان ثمة دورة مياه في اقصى المعسكر يوجد بها مرآه، تركت هذه الفكرة بعيدا الى ان اتى ذلك الوقت، اليوم الذي كان الجميع يلهو و سعيد، استجمعت قوتي و انا اتخيل كيف ابدوا انا، تماما و كأنني سألتقي صديق قديم، بالفعل انه لقاء مع نفسي التي لم ارها منذ اسبوعين، دخلت دورة المياة، وجدت المرآه، نظرت باتجاها، تلاقت اعيننا بعضها البعض، كدت ان اصرخ "من انت؟" اللعنه لم اتوقع هذا التغيير، وجهي اصبح اكثر اسمرارا مما هو عليه، عيني تغشوها الهالات السوداء، شفتي السفلى متشققه و مليئه بالندب (لاحقا اسعفني احدهم بفازلين) ، و شعري، آه يا شعري العزيز اتذكر كنت اعتبره مصدر دفء و راحة و انا اداعب خصلاتي، اما الان فهو اشبه باشواك القتفذ، و تلك الشعرة، و تلك الشعره البيضاء اللعينه على صدغي الايمن، لم اريد ان اكبر سريعا، لا اعرف كم قضيت من الوقت انظر بوجهي الجديد، خرجت من دورة المياه و تم القبض علي من قبل مدرب بتهمة "عدم ارتداء السترة العسكرية".  

اتذكروا الضابط القصير الذي شفع لنا بإشارة من عينه حينما بقينا "مصلبين" في الشمس ساعة كاملة؟ اتى يوم استلامه ، كان يوم الجمعه من الاسبوع الثاني، لا اعرف لماذا هذا اليوم تعيس في كل الظروف و الاماكن، هذا الضابط و الذي بالمناسبه لم اعرف اسمه، لم يتحدث معنا كعادة الضباط و لم يلتقي بنا سوى انه اعتاد دائما يقوم بجولات مفاجئه ، لكن على اية حال كان لم يكن غليظا و في الحقيقه لم نشعر بوجوده، في وقت النوم، اقصد و نحن نغط في سبات عميق، بدون سابق إنذار تم إعلامنا بوجوب تشكيل طوابير، نهضنا دون الحاجة لتغيير ملابسنا، كنت ارتدي "تي شيرت" اسود و بنطال اسود فضفاض، و اخذت في سحب "زنوباتي" ، الجميع يسير و كأنهم اعجاز نخل خاوية، اخذوا نقلنا من طابور لاخر، الى ان اخبرنا الضابط القصير بالاتي: هناك طالب طويل اسمر يرتدي قميص نوم مخطط شاهده الضابط يتحدث بالجوال بالقرب من سور المعسكر، و حينما استدعاه الضابط لاذ بالفرار ، و الان عمليات البحث جارية و اذا لم يعترف او اي شخص يعلم شيئا عنه فسو يعاقب كامل السريتين، الكثير شتم و دعا على هذا الشخص المجهول الذي افسد نومنا و على وشك تعريضنا جميعا للعقاب، انا كنت متعجب من اصرار هذا الشخص من عدم الاعتراف بنفسه، خصوصا ان الضابط نفسه سبق و ان ضبط طلاب يدخنوا و لم يفعل بهم شيء، تم اطلاق مراسيم العقاب للسرية السابعة، كنا نشاهدهم يسيروا "مشية البطه" ، بينما نحن ارتحنا قليلا و كنت انتظر اي فرصه للاستلقاء على الحجر الخرساني، بعد دقائق عديده تم جمع السريتين بشكل دائري حول الضابط القصير، و قال انه يعرف جيدا من هو المتهم، و واجهه شخصيا لكنه حلف بالله، قال الضابط "و من حلف بالله فصدقوه" بعد هذه العبارة قلت في نفسي "هذا الضابط على نياته" ، فاجأنا الضابط ان المتهم من السرية الثامنه و انه لم يعاقب السابعة حتى يريد المتهم ان يتحرك احساسه، القى الضابط خطبه طويله عن الصدق و الرجوله و انهاها "تصبحون على خير" ، لا اعرف كم ساعة نمنا بالضبط، اعتقد انها ساعتين او اقل، في فجر اليوم ازداد عدد "المتسدحين" في الطرقات و المسجد، كان النوم يداهمك بقوة في كل لحظة تسرح بخيالك بعيدا، لم اعرف كيف مضى هذا اليوم مع كمية النوم القليله، حاولنا ان نخبر العسكري و نحن نهرول قبل طلوع الشمس اننا لم نحظى بالراحة ليلة امس، لكن لا مجيب، اصواتنا كانت ميته و نحن نردد "يا صباح الخير يا بلادي" ، كنت في مؤخرة الطابور حاولت دفع نفسي للامام و الدخول في مقدممة الطابور، انطلقت سريعا و قدمي كانت في حالة مبكرة من "الخذلان"  
بووم. 
حدث التصادم و سقطت على الارض مثل حيوان جريح، تأملت السماء لحظة و هي لم تشع نورها بعد، لوهلة، وددت ان اغمض عيني و ان اغوص في سبات عميق، لكن بسرعة شديدة تم انتشالي من قبل طالبين و احدهم كان يعتذر لي، تفحصت يدي و جدتها تنزف و ربطتها بمنديل و دخلت في الطابور، كان ادائنا في التدريبات سيء و نصفهم من يتظاهر بالتمرين، من حسن حظنا ان المدرب كان "ابو نقا" الذي بح صوته و هو يعطي التوجيهات و بعد شروق الشمس و بعدها بساعات الذهاب لشراء وجبة الافطار من "ام الخير" و تلك فرصه استغلها الكثير لاخذ غفوة قصيرة، اطلقنا "ابو نقا" للمعسكر بوجوهنا عديمة الملامح، خلال الهرولة للمعسكر دخل "ابو نقا" في منتصف الطابور و اخذ ينشد  "مرعيه يا البنت مرعية، مرعيه و لا بلا راعي" اخذنا نفتح افواهنا و نحرك جفوننا، انتفضنا مثل المجانين و نحن نردد معه مثلما حي سكني تم فتح المصابيح عنه، اخذنا نصفر و ننشد و البعض يرقص حتى ان السرية السابعه و هم لازالوا في عداد الموتى ينظروا الينا و لسان حالهم يقول "سبحان من يحي العظام و هي رميم" حتى بعد ان انتهينا اخذ نردد "ابو نقا ابو نقا" ، كانت لحظة جيدة.

نهاية الحجز 

في المعسكر تكثر الشائعات بشكل عجيب، احدها ان ذلك المعسكر مسكون من قبل الجن، لا عجب في ذلك فالمكان هاديء جدا و ذو جو موحش، هناك من يقول ان عمر المعسكر 35 سنة و بقي قرابة 10 سنين مهجورا، انتشرت قصص كثيرة عن بعض الظواهر الغريبة، قصة وجود الجن في اولى الايام اصبحت واقع رغم عدم اكتراثي لها، لكن انذهلت ان الكثير من الطلاب كانوا مذعورين و احدهم في حظيرتي يدرس في المرحلة المتوسطة لم ينم في احد الايام، في اخر اسبوع الكثير ينتظر يوم الافراج عنا، و في هذه انتشرت شائعات عن موعد الخروج و توقيته لكن لا احد يعرف متى الفرج، حتى في احد الايام السرية السابعة لم تعد تصبر فخلال هرولتهم عائدين من التدريبات الى المعسكر اخذوا ينشدوا "قائدنا يا قائدنا طلعنا اليوم" و تم معاقبتهم على ذلك، في فجر يوم الخروج ذهبنا للميدان حيث اجتمع جميع الضباط للاصطفاف معنا لاستقبال قائد المدارس العسكرية ذو الزي المميز و الذي القى خطاب مطول و تضمن فيه الاعلان عن الخروج، عدنا للحظائر لتجهيز متاعنا في اجواء منعشة، جلسنا امام مبنى الفصائل و اخذنا نسخر من الكلمات الايقونيه التي نسمعها طوال وقت مكوثنا، كلمة "هرول" و التي تتردد كثيرا حيث يمنع المشي في المعسكر، او كلمة "يا طالب" فهنا لا يعترف بأسمائنا فيطلق علينا تلك الكلمة التي كرهتها كثيرا ، سخرنا من بعض حركات الضباط حيث خرج طالب امامنا و كأنه على خشبة مسرح ليقوم بتقليد حركات المدربين و الضباط، مثلا دلك الضابط الذي اشتهر بعبارة "يا مروح" مع ايمائة رأسه، او ذلك الزنجي في "الميز" و الذي يردد بأسلوب آلي و كأننا في حراج 'قدم قدم قدم، اذا نهضت رجع الكرسي، اذا نهضت رجع الكرسي" ، سخرنا و ضحكنا و سخرنا حتى تم اعلان اصفافنا للخروج النهائي مع حقائبنا، قال احد الطلاب و هو ينظر لامتعتنا في ساحة المعسكر "كأننا عمالة على وشك الترحال" و تذكرت اول ايامي في المعكسر و ادركت كم كانت الايام سريعة، اخذ الكثير في توديع بعضهم البعض و كأنهم لم يروا بعضهم مرة اخرى ، لم يحدثني احد، قلت لكم انني لا انتمي لهذا المكان ، اتت حافلتين و انطلقنا باتجاه الحرية و ركضت معهم و ارتطم قدمي في طرف طوب صلب، لم اشعر بشيء الا حينما كنت ازاحم للدخول في الحافلة اذا ارى الدماء منهمرة من اصبع قدمي الكبير لدرجة ان سطح "الزنوبة" اصبحت لزجة من الدماء، دخلت الحافلة و انا احاذر ان يصيب احدهم قدمي وسط صياح و ضجيج الطلاب اعلانا للحرية، جلست اخيرا و تحركت الحافلة، بدأت بتضميد الجرح بأسلوب بدائي، مجرد لفه من المنديل على الاصبع المسكين، و اثناء انشغالي كنت اسمع الطلاب يصرخوا من على النافذه على اي مظهر كانوا يفتقدوا "انظروا زرع زرع، مستشفى، اشارة" ، ابتسمت و انا اتذكر امور تركتها كنت اعشق ممارستها، في الحقيقة حينما كنا بداخل المعسكر الكثير من يبحث لاي علامة للعالم الخارجي، مثل التطفل بالنظر طويلا بداخل سيارات الضباط، لكن الابرز تلك الطائرات المدنية المسافرة التي تحلق بكثافة فوق سماء المعسكر و تجعل جميع اعناق الطلاب وسط الطابور تتجه للسماء مخمنين الى اين تتجه تلك الطائرة، بينما انا كنت اتسائل متى احجز تذكرة الذهاب دون عودة؟ و احد مظاهر انقطاعنا عن العالم الحارجي و التي سوف تسجل في تاريخي، اننا تم اخبارنا بتغيير يوم الاجازة من الخميس و الجمعه الى الجمعه و السبت في فجر احد الايام، نزلنا على طريق عام حيث هناك سيارات الاجرة، احدثنا فوضى في هذا الشارع بصياحنا المستمر و بدونا كفرقة مجنونة بلباسنا الرياضي اما الاحمر او الازرق، سحبت رجلي طويلا الى ان وجدت من يقلني ، او خطوة نظرت لوجهي للمرآه و قال لي السائق "تحتاج لحلاقه" ، قلت في نفسي "احتاج للكثير من الامور" ، اول ما فعلته حينما عدت لمنزل خالي هو اخذ حمام ساخن، رغم ان ذلك الحمام ليس افضل من حمام المعسكر لكن على الاقل لا اسمع صوت احدهم "باقي 5 دقائق" ، بعد ذلك قذفت نفسي على الاريكه و رقدت اطول نوم في حياتي، من صباح ذلك اليوم الساعة 7 او 8 الى ما بعد صلاة العشاء، استيقظت و وجدت وجهي اخي المنقح يقول "انت حي؟" ، ثالث شيء فعلته هو الخروج لتعبئة بطني، خرجت دون هاتفي الجوال و هذا امر مستحيل في الظروف العادية، اخذت انظر للمظاهر المدنيه، رنات جوال مختلفه،العديد من السيارات، ملابس سخيفه و قصات شعر غبيه، شعرت انني للتو دخلت لعالم اخر، تناولت العشاء في "كودو"، لماذا "كودو" ؟ ربما لانه يعيد ذاكرتي لايام الفطور خلال فترة دراستي، ذهبت بعد ذلك للصيدليه للاستعداد للمرحلة الثانية من المعركة، بودرة و عصار للقدمين، سرت تائها حتى توقفت عند  "كون زون" ، جلست على الرصيف بوجهي المشبوه و انا اتناول الايس كريم، و قبالتي مطعم "النافورة"، يا الهي، ذلك المطعم يملك ابشع ديكور رأيته، في تلك الليلة وددت ان ان اذهب لجميع المطاعم حتى يغلبني النوم. 


3 يوليو الى 6 يوليو 
24 شعبان الى 27 شعبان  

5 ايام كانت فترة الاجازة، كل ما كنت افعله هو النوم لساعات طويلة و بحانبي قارورة ماء، حيث في اليوم الواحد اتجرع قرابة 4 قوارير، في فترات اخرى اجلس و بالقرب مني ايضا قارورة ماء و استغرق وقتا في كتابة هذه المذكرات، احيانا في الصباح استيقظ و اشعر انني نلت كفايتي من النوم او اشعر انني مبرمج للخروج من المنزل و الهرولة تحت اشعة الشمس مع ترديد "يا صباح الخير يا بلادي" ، لذلك كلما تواتيني هذه الرغبة اذهب للافطار حتى و لو في وقت مبكر جدا، الصراحة انني اود ان استكمل فترة الدورة ليس من اجل عشقها بل من اجل الانتهاء منها سريعا.  

خلال تلك الخمسة ايام ثمة امر اعاد لي بعض الهموم و القلق، و هي مجددا مسألة التوفيق بين هذه الدورة و اكمال دراسة البكالوريوس، خصوصا ان التسجيل قد فتح و قد وجدت خبر سار و سيء، الخبر السار ان المعدل المطلوب للتسحيل في البكاليورس قد تجاوزته، الخبر السيء انني عرفت ان مادة التطبيق التي انجزتها في شركة "سامرف" قد حصلت على درجة B كنت اتوقع درجة اعلى، كنت مقهور و لم اتوقف عن شتم المسؤول عن المادة حتى و انا اتقلب على فراشي، على فكرة خلال تلك الايام للتو شاهدت وثيقة تخرجي مصورة من الجوال، و كذلك بالتنسيق مع اختي تم التسجيل في البكاليورس و سوف يتم الاعلان عن اسماء المقبولين في 13 رمضان، هذه المسألة لطالما كانت تؤرقني، محاولة الموازنه بينهما كادت تصيبني بالجنون، لانني حقا اريد كليهما و لا استطيع التضحيه بأحدهما سواء الدراسة او الحصول على وظيفة تؤمن مستقبلي مؤقتا و بعد كل ما خضته لا استطيع التراجع، الدورة العسكرية سوف تستمر الى شهر شوال و الدراسة سوف تبدأ في نفس الوقت، لا اعرف ماذا افعل. كل ما اعرفه انني اتقدم خطوة في كل جانب، و في يوم ما سوف يحدث الاصطدام. 


 6 يوليو الى 8 يوليو 
27 شعبان الى 29 شعبان 

اخذت احمل حقيبتي بذراعي الايمن برفقة اثنين، الاول يحمل حقيبته على ظهره بينما الثاني يسحب حقيبته بالعجلات مسببه صوتا مزعجا، في جنح الظلام اخذنا نسير دون وجود اي اضواء، كانت المسافه بين بوابة المعسكر الرئيسية الى بوابة المعكسر نفسه طويله جدا، حينما ولجنا داخل المعسكر انتابني شعور الحيوان الذي يدخل قفصه، او السجين الذي يدخل زنزانته، حضرنا مبكرين جدا، و ثمة مدربين كانوا في انتظارنا حيث تم تفتيشنا، رغم اننا نعرف انها يومان او اقل و نخرج من المعسكر -شكرا رمضان- لكن رغم ذلك جميعنا ننتظر هذه اللحظة، في الطابور كان بعض الطلاب يقبلوا بعضهم البعض و تم معاقبة البعض لانه يمنع اي نشاط خلال الاصطفاف، سألني احدهم إذا ما زرت اهلي اجبته بالنفي رد علي "اثرك مريض" ، كانت ليلة قصيرة خلدنا سريعا للنوم. 

اليوم الثاني اعاد لذاكرتي ايام الحجز بما فيها من استيقاظ مبكر و تدريبات الصبح و العصر، خلال تدريبات الصبح تم طردي برفقة بعض الطلاب لإننا سيئين في المشاة، تم ارسالنا للهرولة في الميدان الترابي الواسع كجزء من العقاب،حمدا لله انني اخذت كفايتي من النوم خلال 5 ايام، لذلك تحول العقاب كنوع من الترفيه خصوصا للمره الثانيه نشاهد الكلاب الاربعه تركض امامنا، تدربت انا و بعض الطلاب السيئين في المشاة لوحدنا ثم تم ضمنا مجددا، خلال فترة العصر كان هناك اختبار للمشاة كل طالب لوحده، رغم انني قلقت في البداية لكن اتضح ان الكثير لم يطبق المشية جيدا حتى افضلهم، و الاختبار بعد ذلك انقلب لكوميديا بحيث كل طالب يتوجب عليه الوقوف على الرصيف و من ثم يسير بالشكل العسكري المطلوب، لوهلة شعرت كأننا في عرض ازياء و مع كل طالب يخرج تتعالى اصوات الضحك و التعليقات و "ابو نقا" يشارك معنا، لحسن الحظ اختبرت انا مع مجموعة و ليس لوحدي و لا اعرف كيف ابليت و لا اهتم، ذلك اليوم يبدو ان المدربين لا يعرفوا ماذا يفعلوا فقد انتهينا تماما لدرجة ان "ابو نقا" طلب من احدنا ان يلقي قصيدة و نحن نردد خلفه و كأننا في قناة "الساحة" ، اليوم التالي و الاخير كان قد تم الاعلان عن برنامج رمضان بحيث يعتمد بشكل كامل على الدراسة في الفصول، خلال ذلك اليوم شعرت بالتهاب شديد في حلقي مما افقدني الشهيه، و حينما دخلنا الفصل كنت اعتقد انه مريح لكنه رغم اتساعه لكنه خانق جدا و التكييف سيء جدا، تطور الم الحلق الى صداع و حالة غثيان شعرت ان ما لم يحدث لي طوال 17 يوم  من الحجز سوف يحدث خلال تلك اليومين، و مع جو ذلك اليوم المليء بالرياح و الغبار حطمت الرقم القياسي و عطست 5 مرات متتاليه،في الفصل كان هناك الكثير من الهرج و المرج مما اغضب المدرب ليجعل الجميع يقف مؤقتا و كنت اجلس في المؤخره بحيث تحجب الرؤية عن المدرب لذلك لم انهض، كنت قبلها اخذت بعض من الغفوات المتفرقه، حينما امر المدرب الطلاب بالجلوس لاحظ ما فعلته انا بانني لم انهض، استشاظ غضبا و طردني من الفصل "ليه ما تنهض مثل زملائك ؟ مو مالين عينك؟ قلة حياة" طلب مني ان اقف خارج الفصل تحت الشمس، لم اكترث كثيرا، خلال 10 دقائق عدت للفصل بعد شهادة احد الطلاب انني من "المنضبطين"، اخيرا تم اطلاقنا مجددا و كنت اعتقد ان الحافلة سوف تضعني على الطريق العام حيث سيارات الاجرة، لكنه توقف عند مواقف السيارات حيث خرج الجميع و لم يكن لدي سيارة, هنا حرفيا اخذت اطلب من كل شخص توصيليي لم يرفض احد لكن كل منهم يملك ظروفه الخاصه التي قيمتها بنفسي، وجدت احدهم تطوع لايصالي، خلال الطريق سألني عن مدينتي و بعدها سألني عن الصيد كنت اعتقد انه يقصد صيد السمك لكنه يتحدث عن صيد الطيور، شكرته و خرجت الى سيارة اجرة اخرى الى منزل خالي الموصد، ظللت اطرق الباب الى ان وجدت عامل نظافه ينظر الى بشفقه طلبت منه هاتف جوال و اتضح لي انه لايعرف العربيه تحدثت معه بالانجليزيه و انا اتذكر اخر مرة تحدثتها, حصلت على الهاتف.  

نمت، لم يكن نومي مريحا حيث تخلله الكثير من التقطع من السعال و كذلك عيني تدمع بغزارة و بشكل عجيب، حينما استيقظت على صلاة المغرب لا اعرف اذا ما كان سبب الاستيقاظ هو سعالي المستمر ام ان الجوع كاد ان يقتلني، خرجت و انا لا يوجد مكان معين في راسي لاسكات صوت بطني، حينما خرجت كانت الاجواء سيئه، ذلك الغبار الكثيف و الذي شكل ضبابا بالكاد ترى انوار السيارات، ارتديت "زنوبتي" المشبعه بالغبار و سرت بالاقدام عبر شارع الاربعين مع تلك الاجواء المتربه، اهلا بك في الرياض -اعرف تلك العبارة متأخرة جدا-، ذهبت الى مطعم "عبير الشام" و الذي لم يعجبني كثيرا، في المطعم دخل صبي بعجل يحمل "حلاوة مصاص" و هو يقول لرفيقه "بكرة رمضان" و اتضح لاحقا انه كاذب، لم اجرب في حياتي صيام رمضان في غير منزلي، في الحقيقة لم اشعر بأي اجواء "روحانية" او اي شعور تجاه الشهر الفضيل سوى ان الدوام سوف يكون مخفف، كنت من خلال الخطب و النشرات و التهاني بشهر رمضان اشعر ان هولاء يعيشوا في عالم و انا اعيش في عالم اخر، اقصى طموحي في تلك الثلاث شهور هي ان تمضي تلك الثلاث شهور، احيانا اشعر انني اكاد افقد صبري، بيئة العسكرية بيئة خانقه مقرفة، عدت ادراجي للمنزل و انا اسعل و ابصق ، هل كان بصاقي بسبب البلغم المتجمع ام بسبب التراب؟ سؤال وجيه.                               
                 
9 يوليو 
30 شعبان 

لا يوجد شيء يستحق الذكر، دوام في الفصول الخانقه، رغم ان يوجد بها 9 مكيفات لكن لا يوجد ما يستحق ان يطلق عليه جهاز تكييف فضلا من فرن، اخبرونا ان غدا اختبار، اوه يجب ان اذاكر بجد و ارفع من معدلي، هراء، خلال الخروج بدأت رحلة "الشحذه" لتوصيلي لكن هذه المرة وجدت اعذار كثيرة و سئمت من هذا الوضع، و قررت اسير بأقدامي الى الطريق العام, نعم انه بعيد, لكن لدي خبره فطريه في هذا المجال، حينما كنت في الصف الاول ابتدائي بدأت مسيرتي العودة من المدرسة الى المنزل بالاقدام، نعم انه بعيد ايضا، لكن خلال هذه الفترة الحالية و انا اسير بلابسي العسكري بطريق شبه خالي سمعت صوت بوق سيارة يريد توصيلي و اكتشفت انه نفس الشخص الذي اوصلني البارحه،  بالنسبه لالتهاب الحلق قد زاح تدريجيا مع زكام مزمن، حيث التمخط و استخدام المناديل الواحد تلو الاخر، علمتني هذه الدورة القذارة، لا اعني القذارة الجسديه بل اصبحت استحم اكثر لازيل طبقة الغبار على وجهي، اقصد قذارة ما حولي بحيث اقذف اي شيء  بالشارع دون الشعور بالذنب، كنت في السابق اعتبرها خطيئه كبرى، في المساء ذهبت لصلاة التراويح مع خشوع معدوم، لكن ما يستفزني حركة اقدام المصلين و شعورهم بالتعب، بينما انا اتذكر كم مرة و مرة وقفت تحت الشمس لفترات طويلة دون اي همسة. انتهى اليوم.    


10 يوليو 
1 رمضان 

اول ايام رمضان كما توقعت لم اشعر بأي امر مختلف سوى الجوع و هي مسألة قد تخطيتها، إضافه للدوام المخفف، و ما ينسف اي علامة بارزة للشهر هو وقت السحور الذي يحتم علي الاسراع به لانه يجب ان اصلي الفجر هناك في المعسكر، الدوام اليوم كان جيدا بوجود الاختبار الذي حدثتكم عنه، اكاد ان انفجر من الضحك و انا ارى الطلاب يراجعوا مادة الاختبار "الاستخبارات" قبل دخول الفصل و كأنه اختبار رياضيات للصف الثالث ثانوي، الاختبار لم يستغرق بالنسبة لي سوى 15 دقيقة، حيث كان عبارة عن 25 فقرة صح و خطأ و اي فقرة احتار فيها اضع صح، و على اية حال لا يوجود رسوب على حسب تسريب احد المدربين الذي اخبرنا و يكاد ان يغلبه النعاس، جلسنا بصفوف خارج الفصل قبل شروق الشمس و الى شروقها الساعه 6 تقريبا، حيث ننتظر الخروج فخرجنا، عدت للمنزل بنفس الاسلوب اليومي "شحذة" ثم سيارة اجرة، سائق الاجرة الباكستاني قام بتسليتي قليلا حينما رأى لبسي العسكري، و اخبرني انه كان عسكري ايضا و انهم هناك يعانوا من شدة العمل و قلة المال،  اخذ يتحدث عن اللباس العسكري الثقيل و انا ذكرته بمعاناة لبس "البسطار" ضرب كفه برأسه محاولا عدم تذكر تلك الالام و تلك الرائحه، سألته ان يخبرني بتفاصيل عن عمله، فأخبرني انه كان يعمل في قطاع الفرقة الخاصة "الكموندوز" في منطقة "سوات" او كما نطقها بالانجليزي "سوات اوبريشين" المعروفة بتجمعات تنظيم "طالبان" اخذ يتحدث عن خطورة عملهم، في احد العمليات نزل من المروحية بشكل غير صحيح حيث سقط على ظهره، و بعد التشخيص اخبروه انه غير مهيء طبيا مما تم تسريحه عن العمل، اقتبس مما قاله "خله يولي، جمع فلوس كثير بعدين روح" ، اخبرني ايضا انه كان مدربا للجنود السعوديين في احد الفترات، عدت للمنزل مبكرا و انا اشعر بالنشوة حيث اللحظة الجيدة لولا ان رمضان افسدها، نمت حتى هذه اللحظة الساعة 4:30 و انا اكتب هذه المذكرات، احاول ان ابحث عن قرآن، اعتقد هذه المرة لن استطيع تختيمه. 

يكاد جوالي هذا هو ما يشغل جميع الوظائف التي اريدها، فهو من يوقظني للنوم و يخبرني بتوقيت الصلوات و اطلع من خلاله على اخر الاخبار -اصبح اهتمامي بالشأن السياسي اقل- و الان من خلال الجوال اقرأ القرآن و بالطبع هو من اكتب فيه تلك المذكرات"الغثيثه".   

   
12 يوليو 
3 رمضان 

اليوم يوم مميز، اودع فيه جزء من معاناتي و تعريض نفسي للاذلال، بعد ان حصلت على نسخة من باب منزل خالي كعضو رسمي فيه -نعم، ليس كل شيء يجب ان اكتبه هنا- ،  اليوم وصلت سيارة "الكامري" مشحونة من ينبع، تلك السيارة التي لا استطيع الجرأه على القول انها سيارتي، لانها سيارة اخي رحمة الله عليه، الذي ايضا هو من كان يملك هذه الوظيفة، لطالما لا اشعر بأي انتماء لتلك السيارة كل ما املكه هو شريط من الذكريات مع اعز اخواني، لكن الان، انا سعيد بأن انتهى شوط من معاناتي مع السيارات من الركوب في كل يوم مع شخص من الطلاب و دفع الكثير من المال من اجل سيارات الاجرة، و اصبحت مشهورا كلما اركب بسيارة احد الطلاب حيث يسألوني: انت الشخص الذي سار بقدمه وحيدا باتجاه الطريق العام؟  

و انا اشاهد برنامج "خواطر" على الجوال، شعرت انني افتقد شيء في السيارة، عدت لها و فتحت صندوق السيارة لارى الخوذة و عليها اسمي بالياباني و ذلك حينما كنت في "سامرف"، على انها اكثر ثقل من القبعة العسكرية لكن الفرق يكمن في الراحة بينهما.  


14 يوليو 
5 رمضان 

اعتقد ان العسكرية و التدريس اسوأ المهن الحكومية بالنسبة لي. 

دوام اليوم قضيته مع قرابة 40 طالب ننتظر ذلك العامل الهندي الحلاق بمكينته القذرة و منشفته الكريهه ان يفرغ منا واحدا بعد الاخر، جمعوا هولاء الطلاب بما فيهم انا حتى نحلق شعورنا، قد تعتقد ان شعورنا طالت و بدأنا في استعراض تسريحاتنا، ابدا، كل ما حدث ان اغلب شعورنا طالت قرابة نصف مليمتر و لذلك اعتبرونا مخالفين، اللعنة عليهم اجمعين، اخذنا نحلق بشكل سريع مما ارتسم على رؤسنا "شوارع" كثيره، من الساعة 6 الى الساعة 9 و نحن نقف في جماعات ننتظر دورنا، رغم اننا كنا نوحد الدعاء بتعطل مكاينة الحلاقة و هي تسعل و تزحف في اللحظات الاخيرة، لكن انقلب دعائنا الى رجاء بطول عمر هذه الماكينة بعد ان علمنا ان البديل هي شفرات الامواس، المضحك انني منذ اسبوع فقط قمت بحلاقة شعري كاملا، لكن ماذا اقول عن نظامهم المريض المعقد المعتوه. 

ربما لم اتحدث بشكل كافي عن نظام العسكرية للاشخاص الذين لا يعرفون او ليس لديهم نية بالدخول في هذا المجال الحقير، حينما تسير في الشارع تشعر بأنك متفرد بكل تصرفاتك و الى اي طريق تسير، لكن في العسكرية بمجرد ان تدخل تلك البوابة الحديدية يتم معاملتك كجزء  من مجموعة لا يحق فعل شييء دون الاخر، فقط تدخل في الصفوف و تصبح جزء من قطيع يتم تسييره بحسب اهواء العسكري، و كل شيء تريده و لو اتفه الامور يجب ان يكون بأذن، هذ الاسلوب خانق و كريه جدا، حتى ان البارحة اتى وقت الانصراف و لا تعتقدوا ان يتم إطلاقنا مثل اي مدرسة متوسطة، بل يحتم عليك الاصطفاف و من ثم تسير على حسب إيعاز المدرب "للامام سر، للوراء سر" كان يقول ذلك و نحن نسير خطوة خطوة و نرى امامنا بوابة الخروج و نتوق للذهاب اليها، لكن العسكري اخذ بالتلاعب بنا مثل لعبة "بلايستيشن" يوجهنا حيثما يريد، اه، متى انتهي من هذه الدورة. 

اليوم ايضا لاول مرة اقود سيارة في شوارع الرياض، كنت في الحقيقة بعيد التفكير عن هذا الامر، فكل ما افكر فيه حين الذهاب الوصول في الوقت المناسب، و في الخروج كنت مضجرا من امر الحلاقه، لذلك لم اشعر بشيء مختلف سوى ان ترددات محطات الراديو قد تغيرت، اضافه انني شعرت لوهلة ان تلك السيارة ظهرت من عالم اخر اعرفه، خصوصا بوجود خوذة المهندسين في مؤخرتها.              


18 يوليو 
9 رمضان 

ابدأ الكتابة عن هذا اليوم بحمد الله و شكره و سجدتين شكر. ثمة امور حدثت لهذا اليوم. 

ابدأ بأسخفها حينما ضعت في شوارع الرياض ابحث عن احد فروع بنك "الراجحي" و في مثل هذه المواقف لا يزداد الرياض روعة الا بأجواء محملة بالتراب و الغبار و هذه هي ثالث مرة اشهد مثل هذا الجو منذ ان اتيت في شعبان، ربما هو الجو "الرومانسي" لسكان المدينة مثلما قالها لي اليوم صديقي السوداني الرائع. اوه سوف تتعرفوا عليه في السطور الاتيه، ما حدث في بداية اليوم انني انتظرت البنك ان يفتح ابوابه قرابة 3 ساعات و حينما فتح قالوا لي "تعال بعد الظهر" ، رحلت غاضبا و انا لا اعرف طريق المنزل و لكن  وجدت فرع اخر للبنك مليء "بالقصمنجين" و حيث يسر الله لي ان ينفذوا ما اريده بسرعة شديدة، عدت للمنزل منهك و مصدع من الدوام و الصيام و الضياع و الجو الترابي و غفوت لحظات حتى صلاة الظهر، و كعادتي حين الاستيقاظ اخذت في تفحص الجوال و ثمة رسالةهناك، رسالة من كلية ينبع الصناعية تهنئني بقبولي للدراسة في درجة البكاليورس، شعوري حينما قرأت تلك الرسالة لم استطع تفسيره، رغم ان هذا الامر هو احد اكبر همومي الحاليه، بل انني منذ بداية الدورة كنت اضعه اول اهدافي الاساسيه لدرجة ايام الحجز العسكري الصعبه كان اول دعاء انطق به عند السجود هو املي باستكمال دراسة البكاليورس متجاهلا اي امر اخر.   
لكن... 
شعوري و تعابير وجهي و انا انظر للرسالة اليوم كانت مختلطة، بداية من انني لم اتوقع اليوم هو الاعلان عن اسماء المقبولين كنت اتوقع 13 من هذا الشهر، لذلك شعرت و كأن الامر مزحه سخيفه و لم اصدق الا حينما رأيت الاعلان الرسمي في الموقع، و رأيت طلباتهم و التي شعرت بحمل اخر للتنسيق مع اهلي في ينبع و تجهيز بعض الاوراق هنا و ارسالها لهم، ثمة بعض الطلبات شعرت بصعوبة تنفيذها ما لم اذهب الى ينبع و هذا صعب لانني مقيد بهذه الدورة اللعينه، السبب الاخر و الذي جعل تعابير وجهي خالية و انا انظر لرسالة القبول هو احساسي ان لحظة الاصطدام بين الطريقين الذي اسير بهما قد اقتربت، لم استطع ان احظى اليوم في الظهر بنوم جيد و رأسي محملا بالافكار و ترتيب الاولويات و الخطوات التي يجب ان اتبعها، على كل حال نمت. 

عصرا، بدأت في تصوير عدد من الوثائق و الصور التي تريدها الكليه حتى ارسلها هناك، ثمة مكتبة صغيرة تدعى "مكتبة النسيم لخدمات الطالب" او شيء من هذا القبيل حيث يتوفر فيها خدمات التصوير و "الاسكانر" ، حينما دخلتها اجد ذلك الرجل السوداني و هو ينظف المكان بعد ان اعدمه الغبار قال لي بابتسامه عريضه "الغبره هنا تنزل زي المطرة" كان انسان مفعم بالحياة و النشاط رغم وقت الصيام و الجو الكئيب، لم يتوقف عن رمي النكات مثلما ذكرت في الاعلى "هذا الجو رومانسي" ، لم اكن في مزاج الضحك لكنه كان يرغمك على الابتسام، اخذت صورة من البطاقة الشخصيه و الرخصة و بطاقة البنك و بينما كان السوداني منشغلا في عمله كان يحدث اصدقائه في السودان عن طريق "سكايب" او هذا ما اظنه ، انتهيت من ما اريده و ذهبت بعد شكره، اتجهت لـ "فيدكس" محاولا معرفة سياستهم في الارسال و اوقات عملهم لكن المبنى كان مغلقا، و انا في الطريق للمنزل تحسست جيبي و اذا ان ادرك ان محفظتي فقدت، اوقفت السيارة على جانب الطريق و انا ابحث بداخلها مثل المجنون و ادعوا الله ان اجد المحفظة و لكن يبدو ان الامر جاد و لم اجد شيء، شعرت انني ضعت لا محالة و سوف ادخل في دوامات و متاهات حتى اجد المحفظة اذا اخبرت الشرطة و التي في الغالب لم تسعفني كثيرا، هذا ما كان عقلي يفكر به بسرعه كبيره العواقب و المصائب التي تأتي من فقدان المحفظة، فكل ما يوجد بها هو سبب لجعلي امشي بأمان في هذه الحياة كل البطاقات الرسمية هي هناك، و من حسن الحظ لم اذهب لاماكن كثيرة لحصر موقع المحفظة، لكن ما كنت اعرفه و متأكد منه اذا المحفظة سقطت في الشارع كل هذا الوقت فحتما لن تبقى طويلا هناك تنتظرني، حسنا بدأت بالتفكير بهدوء و كنت اعرف ان اخر مرة اخرجت المحفظة هي عند ذلك السوداني، قدت السيارة بجنون كما يفعل اغلب سكان الرياض، اول بقعة قمت بفحصها هي في الرصيف امام المكتبه و حينما انا منهك في البحث تحت السيارات إذ ارى ذلك السوداني يلوح بيده الكريمة و ابتسامه عريضه تظهر منها ثنايا اسنانه الاماميه المتفرقة، دخلت سريعا اليه و اخبرني بأمر عجيب، كيف انه رأى المحفظه امام باب المكتبه حيث قضت فتره طويله قابعه هناك و المارة ينظرون اليها واحدا تلو الاخر لكن لا احد سرقها حيث هو اخيرا احتفظ بها في انتظاري، في الحقيقه كنت عاجز عن شكره وددت ان اعانقه و اكافئه بأي شيء، في المساء استلقيت متعبا حيث شاهدت كوابيس عجيبه تم اختتامها بـ "جاثوم" حقيقي جاثما على صدري، هذه المرة الثانية في حياتي اتعرض لذلك الشعور الخانق، حيث انك ما بين الاستيقاظ و النوم تشعر نفسك مشلولا غير قادر على الحركة و الكلام، انتهى اليوم. 


28 يوليو 
20 رمضان 

في احد الايام السابقه، و اخيرا تم انعاشنا بجو مخنلف عن اجواء المعسكر حيث خرجنا بسيارات "اللوري" محمله بالطلاب و كأننا ذاهبين الى جبهة حرب، كنا نتجه لميدان الملاحه و هو خارج المعسكر و ذو مساحة شاسعة حيث يعتبر قطعة من الصحراء تحدها الجبال من كل مكان، كان الطريق بالسيارة طويلا حيث يستمر للصعود اعلى بين الجبال و ترى من اسفلك اضواء معسكرات "خشم العان" في منظر يستحق صورة، لذلك حينما علمنا ان اليوم سوف نذهب الى ميدان الملاحه مجددا الكثير احضر معه جولاته بما فيهم انا، حيث كنا نعرف ان لا يوجد تفتيش و حيث هناك تساهل منذ بدء شهر رمضان، ما حدث اليوم العكس لاننا وجدنا عدد من المدربين رحلوا معنا للميدان و هذا منعني من التقاط اي صوره و حينما عدنا كان في استفبالنا ثلاثة ضباط و مقدم و قائد سريتنا، كانوا قد عزلوا مجموعة من الطلاب و يبدو ان احد الحمقى تم اكتشافه انه يملك جوال، فبدأ التفتيش و بدأ الجزاء. 

حينما رأيت المجموعة المعزولة يتم تفتيشها، اتجهت لاخر الصف و اخرجت جوالي المسكين -هذا الذي اكتب عليه الان- و اخرجته من جيبي و وضعته باسفل جوربي الى اسفل البسطار و غطيته ببنطالي عليه، اتى المقدم و القى خطبة تأنيب و تم تفتيشنا و كان الضابط يقول "اي شخص لديه جوال يخرجه قبل ان نكشفه نحن و يتضاعف العقاب" ، لم افكر ابدا ان اكون مثل بعض الطلاب الحمقى الذين اعترفوا على نفسهم، اذا ارادوا اكتشاف مكان الجوال فلهم ذلك، تم تفتيشي و نجا الجوال من الكشف، بعد ذلك امر الضابط ان نخلع قبعاتنا و سترنا و ان نقف بوضعية "الثبات" و نجعل الشمس تحت رحمتنا، كنا بالطبع صائمين و هذا اول عقاب لنا في رمضان، لذلك استطيع ان اقول ان هذه اكبر نسبة اشاهد الطلاب يغمى عليهم، كنت اعرف ذلك حينما اسمع صوت حركة الخرسان حيث يسقط احدهم على وجهه، و احدهم قد خرج من الطابور راكضا للاستفراغ، و ثمة طلاب تم مجازاتهم اكثر بسبب "الحركة في الطابور" ، بعد ان صرفونا سألت الله العافيه بجسدي و صحتي، فإذا انا بهذا الجسم الهزيل تجاوزت الموقف فأنا في غنى عن اجسام قويه مثل هولاء، سألت احدهم اذا كان يمثل حينما اغمى عليه و اجاب بالنفي. 

لم ننتهي بعد، تم إخراج الطلاب الذين لم يحلقوا شعورهم اقصد ان يقصوها بحيث لا تبلغ مليمتر واحد، و انا من ضمنهم، تم ارسالنا للغرفة للحلاقه، و هذه ثالث مرة يتم حلاقة شعري جبرا، حينما كنت في الغرفه مع بضع طلاب و نحن ننتظر دورنا، وجدنا كرة طائرة و بدأنا في ان نحولها إلى كرة قدم، صائمين و في الخارج الضباط و متعبين و قبل دقائق كنا مجازين و انا شخصيا لا ازال في وضع الشبه حيث الجوال في اسفل بسطاري، و مع ذلك كله و كأن لم يحدث شيء اخذنا نلعب كرة القدم بكرة الطائرة و نسددها بشكل قوي و نضخك مع بعضنا، هل هو مزاج عالي؟ عدم مبالاة؟ تبلد في المشاعر؟ لا يهم، المهم انني قضيت وقت ممتع و خرجت من البوابة الاماميه للمعسكر و انا احمل الجوال بيدي ضاحكا، لأدون به هذه المذكرات حتى لا يكون فقط شاهدا على هذة الدورة العسكرية اللعينه، بل جزء منها.           

                                                                           
30 يوليو 
22 رمضان 

لم اتحدث قط عمن اعيش معه خلال تلك الفترة، لكن اليوم يحتم علي ان اذكر ذلك فقط من اجل سبب واحد سوف اذكره في السطور الاتيه، حسنا من دون تفاصيل انا اقطن مع خالتي و ابنها "البثر" و اخي و جدتي، السبب الذي دعاني لاذكر ذلك لان جدتي توفت اليوم و على مرأى من عيني، فهي النفس الصافيه الرطبة بذكرالله و لا تتوقف عن ايقاظ من هو في المنزل للصلاة حتى في اخر لحظات حياتها، و هي التي اعتدت في طفولتي سماع صوت جهاز المسجل و يتردد من خلاله صوت الشيخ "محمد ايوب" و كانت حافظة للقرآن الكريم، و هي التي حينما سقطت على ظهرها حينما كنت اتوضأ اخذت انظر لعينيها الشاخصتين و نبضها الضعيف ومحاولاتها البائسه للتنفس من فمها حينما قالت "حنا صايمين؟" ، بعد ساعتين توفت لاحقا في المستشفى، حيث ماتت و هي صائمة و في شهر رمضان و في العشر الاواخر منه، و تم دفنها تحت اصوات صلاة التراويح، اخذت اتذكر اصعب لحظات حياتي قبل عامين حينما دفنت اعز اخواني، و في الحقيقة حينما فقدته كأنما فقدت جميع اخواني فهم لا قيمة لهم الان، فعلا، دائما الرائعون يرحلون سريعا بينما الملاعين يبقوا غصة في قلوبنا، جدتي توفت و كان اخر رمضان تصومه كان برفقتي و انا من كنت في انقطاع عنها سنين، ربما ثمة حكمة إلهيه من ذلك، صدق من قال اذا اردت ان تتذكر الموت فانظر لوجه امرأة عجوز او شيخ كبير، اذا كان هذا يعني شيئا لي، فإنه يعني ان "الرياض" اصبحت مكدسه بالذكريات السيئه، دورة عسكرية لعينه في اجازة صيفيه، و حالة وفاة لجدتي امام عيني. 

                                           
4 اغسطس 
26 رمضان 

11 ايام اجازة، لذلك انا الان اقطع الف كيلومتر متجه لمنزلي، متجه للعالم الاخر، متجه ربما لاقابل محمد قبل ان يكون عسكريا، محمد الاول الذي كان قبل ثلاثة شهور يدرس الهندسة الكهربائية و يسرح شعره باهتمام و يقضي وقت فراغه بمشاهدة الافلام و لعب الفيديو جيمز، و يسهر الليالي، هذا المحمد ربما سوف يكون موجودا ليرى المحمد الثاني ، الذي يقضي وقته في الميادين العسكرية و لا يتوقف الضباط بالصراخ تجاهه بسيل من الاوامر، محمد ذو الرأس الحليق و الشنب الطويل حتى انه تجرأ على لبس بشكل دائم "سروال و فنيلة" ، لازلت في الطريق، لا اعرف ماذا يحدث حينما اصل، ربما يمتزج المحمدان ليخرج محمدا ثالث. 

مثلما يقال Home sweet home. 

دخلت الى ينبع و اخذت اتأمل بشرود تلك المصانع ذات الروائح الخانقه و التي كنت بداخل احداها قبل خمسة شهور، اما في المنزل ثمة رائحة قذرة اخرى تبعث منه، غضبت بشدة حينما وجدت اغراضي مبعثرة، و لم اتوقع كمية الغبار الذي غطى الكتب و الارفف و لكنني عزمت على ان لا امسحها حتى اكمل شهر اخر كإنسان عسكري، نظرة اخرى حول المنزل وجدته يصرخ بالراحة، نظرة اخرى لمقتنياتي وجدته يصرخ بالترفيه، لكن مع ذلك كان يتمالكني شعور لا استطيع وصفه، نوعا من القشعريرة المزوجه بطعم مر، كأنني اقول انني اتيت في الوقت الخطأ و يحتم علي الرجوع مره اخرى، احساس مثلما احدهم سحب دب قطبي و وضعه في الربع الخالي، شعور و كأن ثمة امر يجب ان انهيه قبل العوده، لوهلة شعرت ان جزء من جسدي لازال عالق هناك على بعد الف كيلومتر .  


6 اغسطس 
27 رمضان 

طوال اليوم لم اتجرأ فتح جهاز الحاسب الشخصي و كأنني احاول اتحاشاه، اما جهاز البلايستيشن 3 بالطبع من المستحيل ان ابدأ اي لعبة جديدة من الالعاب التي اجلتها طويلا بسبب الدراسة امثال "بيوشوك" و "دايوس اكس" ، و الان تضاف قائمة اخرى طويلة من الالعاب امثال "لاست اوف اس" و التي بالناسبه قابعه امامي حيث اشتراها اخي الصغير الذي يبدو انه قضى افضل اجازة صيفية في حياته، لذلك وقع الاختيار على إعادة جزء بسيط من لعبة "ماكس بين 3" و بالتحديد مرحلة الميناء لان بها مقطوعة موسيقيه رائعة، بالمناسبة اذا احد ما في الارض او السماء طلب مني نصيحة لموسيقى معينه و هو يقرأ تلك المذكرات، فأنا اقترح عليه الموسيقى الرئيسيه لسلسة "ماكس بين"، انهيت مرحلة واحدة من اللعبه و كنت اخطط استكمال مراحل اخرى، لكنني لم اجد في نفسي مكان يستقبل هذا، شعور بالخمول و الكسل يجتاحني،بحثت عن امر يشبعني و لم اجد سوى تدوين هذه الاسطر الان.  


7 اغسطس 
28 رمضان 

من النادر اشاهد افلام اكثر من مرة، عدا فيلم "ذا يوجال سوسبكت" شاهدته اربعة مرات، و ايضا فيلم "ماتريكس 2" شاهدته ثلاثة مرات، و اليوم شاهدت للمرة الثانية احد اروع الافلام "شاشونك ريدمشن" ، لاحظت في الفيلم ان حياة السجن به نوع من الحرية اكثر من العسكرية سواء في طريقة المشي او الوقوف في الصفوف و حتى انني تعجبت انهم لم يحلقوا شعورهم، بعد ذلك لعبت إضافة "الزومبي" للعبة "ريد ديد ريدمشن" لاول مرة، يا إلهي "روكستار" مجانيين في صياغة الحوارات.  


11 اغسطس 
4 شوال 

لا اعرف كيف حدث هذا، لكنني اعلم انه حدث سريعا بشكل لم اتوقعه و ما لا اتمناه، و كأن ثمة سحر جذبني سريعا للعالم القديم و الروتين الازلي، عدت سريعا ذلك الشخص قبل العسكريه و لو ان مظهري لم يدل على ذلك، لوهلة تمنيت ان اتشيبث بظفري و ضروسي بحياتي القديمة و انا اجلس الان في صالات مطار ينبع متجه للعالم الاخر، الوضع اشبه بأن يعطيك احدهم قضمة من كعكه و من ثم يسحبها سريعا بحيث لم تصدق انها كانت بحوزتك منذ قليل، كان خطأ مني انغماسي سريعا للعالم القديم متناسيا ان ثمة شهر اخر من الحجز و النوم ثلاثة ساعات و من المتوقع ان يكون هو الشهر الاقسى، من الواضح ان محمد الاول قد قضى على الثاني، في الحقيقه يبدو ان كل محمد له الافضليه في ميدانه، قبل ان استقل الطائرة يتوجب علي شكر "روكستار" على اضافة "الزومبي" و التي انهيتها خلال فترة الاجازة القصيرة، و لا انسى شكر "رون جلبرت" على لعبته "الكهف" و التي استمتعت بها كثيرا، لدرجة انني لعبتها 3 مرات، مرة بعد ان تم مسح محفوظاتي للعبه و مرة بشخصية "المغامرة" و "الفارس" و "التوأم" و المرة الثالثة و التي لم انهيها بعد بشخصية "الراهب" و "العالمة" و "المسافرة عبر الزمن"، و كذلك يجب ان اشكر "كريستيانو رونالدو" الذي امتعني في مباراته الودية امام "تشلسي" ، بالمناسبة لاول اول مرة سوف يبدأ "ريال مدريد" الدوري و لم اكن موجود خلف الشاشات. 

اوووه، ما الذي اهذيه هنا، يجب ان انسى كل عناصر الترفيه و ان اتكيف مجددا للعالم الحقير، اخ لم اتوقع تلك الثلاثة شهور تبدو طويلة و كأنها ثلاثة قرون.  

ثمة امور حدثت في المطار، من المفترض ان تقلع الطائرة الساعة 8 مساء لكن تم تأجيلها الى 9 و من ثم امتد الوقت و الطائرة لازال يتم إصلاحها الى الساعة 10 و من ثم اتى اعلان الغاء الرحلة و تأجيلها الى غدا الساعة 11 صباحا، و من ثم تم الغاء هذا الموعد مجددا الى الساعة 2:30 هذا اليوم ، و طوال فترة الانتظار جلست مع صيني و كوري و ألماني يتناقشون فيما بينهم دون تدخل مني، حيث كان حديثهم هاديء و علمي و كلا يناقش مواضيع بلاده، واو للتو استوعب، سبعه ساعات في المطار، مثلما ان الرياض استقبلتني اول مرة بتمزق حقيبتي، هذه المرة استقبال الرياض كان حارا لدرجة ان وصل مطار ينبع، الامور لا تبدو مبشرة بخير.    


12 اغسطس 
5 شوال 

وصلت الطائرة الساعة 4 فجرا حيث قضيت طيلة الوقت مستغرقا في النوم بالطائرة و بسبب زحام الرياض المقرف لم اصل المنزل بحلول الساعة 5، اكتشفت و انا مقبل الى شوارع الرياض كمية الكره الذي اكنه لهذه المدينة، اما في الساعة 8 مساء حيث موعد الدوام ذهبت الى "المؤخرة الخاصة" و تعجبت ان ساحة السيارات خاليه تماما، و لم اجد سوى سيارة واحده تسير تجاهي، اخبرني الطالب ان الدوام تم تأجيله الى السبت، لم اعرف هل اضحك ام ابكي.   


17 اغسطس الى 22 اغسطس 
10 شوال الى 15 شوال 

اسبوع حجز اخر كفيل بأن يعيد الى ذاكرتي ايام الاستجداد ذات الثلاثة اسابيع، كل شيء عاد الى السابق و في كل لحظة اشعر بالاستفراغ من المكوث في هذه الدورة، اول يوم و الحضور كان في النهار لاول مرة، حينما اوقفت السيارة و اتجهز للدخول الى المعسكر، امتلكني شعور غريب بالتحول من واقع الانسان المدني الى العسكري و كأنني اقف بينهما بشعرة بسيطة، لأنني كنت جالسا في السيارة و هواء المكيف البارد يلفح وجهي و السيارة مظللة تحميني من اشعة الشمس مثل الدرع الى جانب النظارة الشمسية، و بمجرد وضعت قدمي الى الجانب العسكري و ذلك حينما خلعت النظارة و خرجت من السيارة استقبلني هواء حار بكل سرور و عيني كادت تصاب بالعمى من قوة الشمس و كأن الحاجز بين هذا العالمين تلك النظارة و هذه السيارة، الاسبوع بشكل عام لا يوجد به امور تذكر فهي مثل اول 17 يوم من الحجز، بداية بالتهديدات و الاوامر المستمرة، "هرول يا لوح" و "اثبت يا تعبان" و "و الله لخليك تكره العسكرية" ، و امتدادا الى معاناة النوم و الماء ، من ناحية التدريب حصلنا على بعض الحركات الجديدة مثل "السير البطيء" و هو الذي اراه في المراسم الملكيه حينما يسيروا على السجاد الاحمر و يحملون بإيديهم السيف، الحركة الثانية فهي "سلام الرسالة" و هي حركة تشعرني بالسخف و انا اؤديها و لا اعرف ما الغرض منها، يوم الخميس تم تدريبنا على حمل السلاح و المشي به و كان ممتع تجربة شيء جديد و لا سيما له علاقة بالاسلحة، حيث يحتم علينا مسكها و القيام ببعض الحركات من تبديل السلاح الى انزاله في الارض و غيرها،  لكن الامر الذي اختلف و الذي اذهلني انا نفسي، انني لم اشعر بأي ارهاق شديد مثل السابق، اصبح لدي مجاراة مع ما يحدث من امور متعبه، مثل النوم ثلاث ساعات والاستفاده من اي لحظة استراحة للاستلقاء على التراب برفقة مختلف الحشرات و تحت اشعة الشمس و الغط في نوم عميق و كأنني في فندق خمسة نجوم و حينما استيقظ على نداء "طابور" اجد وجهي مكسو بالعرق، و النوم نفسه من الاساس اشبه "بقبلة الشيطان" حيث انك لا تشعر بتلك الراحه التي تجدها في اي مكان لكنني ملزم بذلك حتى اعيد شحن بطاريتي و يفرغ مساحة جديرة من الارهاق  ، و كذلك شرب الماء و الدخول وسط الزحام لكن اصبحت اكثر احترافيه في تعئبة القارورة من خزان الماء وسط معركة الايادي لدرجة انني استطيع اشرب الماء مرتين و هذا يستحق بما ان الماء لاول مرة يكون بارد، اما الشمس رغم انها اكثر شدة من شمس شعبان حتى انني اشعر بغليان اذني و كأنها تطبخ على نار هادئة، لكن رغم ذلك لم اعرها اي اهتمام و كأنني اخذت حقنة مناعة من الشمس، او روتين تفريش اسناني و التي تمتزج برائحة سجائر الدخان من حولي، و كذلك خلط الماء باللبن حتى تحصل على لبن بعلبه اكبر او غسيل اليد باستخدام الماء و التراب و "البيبسي!، بشكل عام اصبح لدي تبلد شديد في مشاعري و مايحدث حولي حتى الطعام بعد الجوع و الجهد لم اشعر بلذته كالسابق بما فيها من فترات الاستراحة، مثال على ذلك ان في يوم الاثنين تم إعفائنا عن التدريب في العصر و هذه سابقة نادرة و لان يحتم علينا تنظيف الحظائر بالماء و الصابون و السبب يعود لان العميد او "القائد" سوف يقوم بجولة تفتيشية، نفاق كبير حينما تشاهد الضباط و العساكر متآهبين و اهتموا في امور نحن كنا في السابق نطالب بإصلاحها مثل زجاج النافذة المكسور لدرجة انهم سلموا لنا شراشف جديدة و نظيفة، تخيل فترة العصر لا يوجد تدريب من يحلم بها؟ لكن مع ذلك لم اشعر بطعمها لانني لم اعد ذلك العسكري الذي ينتظر انتهاء الحجز مثل في شعبان او انتظار الاجازه في رمضان بل انا الان فقط انتظر يوم التخرج، لا اعرف ماذا يشعر به الطلاب الاخرون لكنني اراهم بستمتعون بتلك الايام، و لا الومهم بذلك لان اغلبهم يعتبر هذه الوظيفة مصدر رزق عائلته و البعض الاخر لا يملك اي التزامات اخرى ليفكر بها و بالعاميه "ما وراه شيء" و هناك من وجد بعض الرفقة، لكن انا لا املك ايا من هذا فقط اريد الخروج من هذا الجحيم، اخذت نظرة موسعة عن حالة الطلاب و اكتشفت ان عدد منهم يعيش في حالة معيشية صعبة و لديهم معاناة في الامور المالية و صعوبة في إكمال الدراسة، حمدت ربي على ما وهبني من نعم. 

حدثين وقعا في هذا الاسبوع، الاول كوميدي و مضحك و ذلك ان ثمة تفتيش في الطابور و كان بجانبي طالب يحمل ولاعة سجائر و لم يجد مكان يخبئها سوى على رأسه تحت قبعته، حينما فتشوه لم يعلم احد شيء عنه، لكن المضحك بعد ان رحل العساكر انزلقت الولاعة من رأس الاحمق و سقطت على الارض الملتهبه مما سبب انفجارها بجانب ساقي محدثه صوت اشبه بالمفرقعات، طبعا لا تعرفوا مقدار الضحك الذي اكتنز صدري وقتها، اتى الضابط و اتهمني انا و طالب اخر اننا من احدث هذا الصوت و المضحك انني انا و الاخر غير مدخنين لكن في النهاية اعترف الطالب، كانت لحظة كوميديه لن تنسى، الموقف التالي تراجيدي حيث تشاجر احد الطلاب مع المدربين بسبب انه تلفظ عليه و حدث تدافع بسيط بينهما، و كاد الطالب ان يفصل لولا شفاعة البعض، لكن في النهاية الطالب و المدرب تم معاقبتهما الاول بالجلوس في المعسكر اوقات اجازة الاسبوع و الثاني بنقل يوم عمله الى فترة الصبح و هي الفترة التي يجتمع بها الضباط، بالنسبه لي مواقف مثل هذه تسيل لعابي لا اكترث من المخطيء و المصيب بل اعتبرها الترفيه الوحيد الذي احصل عليه و كأنه تلفاز و لحسن حظي ان هذا الموقف حدث و انا في مقدمة الصف، اوه، نسيت موقف اخر سخيف حينما تسببت على الصف الذي اقف به بجزاء "مشية البطة" و السبب يعود لانني وجدت فراغ امامي و تقدمت و اتهمني الضابط بعد ان وصفني "باللوح" بأنني اتجاوز الصف حتى اخرج مبكر، طبعا نفذت الجزاء برفقة الصف الذي معي و انا اضع قبعتي بوجهي لامنع الضحك.         

الاسبوع لم ينتهي بعد، و حدث ما اكد لي اما انني منذ اتيت الرياض اصبت بلعنة او ان الرياض ملعونة من الاساس، اخر يوم اقصد اخر الدقائق للخروج تم هلكنا بالتدريب و لحقها جزاء و لحقها وقوف تحت الشمس انتظار لتشريف "القائد"، ليست هنا المشكلة، المشكلة انك تكون محجوزا اسبوع كامل و تأتي لحظة الخروج و تركض للسيارة و تجد انك لا تستطيع فتحها بالمفتاح او "الريموت" ماذا افعل؟ اطحن نفسي على الارض الحارة؟ ام اقبض يدي على الشمس و اقذفها على السيارة؟ اخذت اركل الباب مثل المجنون و انا اندب حظي و اشتم نفسي و بالطبع طلبت المساعدة لكن دون جدوى، خرجت للبحث عن سيارة بالطريقة القديمة الى محل لتغيير بطارية و بعد رحلة طويلة عدت الى السيارة و انا ادعو الله بأن تفرج لكن لحظة عدم فتحها اصابتني بهستريا ضرب الباب بقوة حتى ان سائق "التاكسي" قال لي انك بهذا تزيد المشكلة اكثر، قررت العودة للمنزل و تركت السيارة وحيدة تنظر خلفي بحزن، حسنا من الواضح ان كل مقتنياتي يجب عليها ان تخوض جزء من المعاناة الجوال اولا و الان السيارة، من المفترض ان انصرف الساعة 9 صباحا لكنني بعد كل هذا عدت الساعة 12، حتى انهي هذه الحادثة عدت في المساء و العطل كان بسبب بطارية السيارة، المضحك -و كأن يجب من كل موقف جانب مضحك- انني حينما هممت بتشغيل السيارة و الرحيل و جدت ان المجموعة من الطلاب التي تم تأخيرها كعقاب قد رحلت معي في الساعة 1 مساء.     


24 اغسطس الى 28 اغسطس 
17 شوال الى 22 شوال 

اعتقد ان عميد مدرسة التدريب عرف كيف يقضي على التأخير و الاهمال من الطلاب رغم ان لا مجال لهم في ذلك سوى لظروفهم الخاصة، و ذلك حينما بدأ تطبيق نظام "الاضافات" و الحجز لكل المخالفين، و هو اسلوب يعاقب المخالفين بعد الظهر يوميا الى نهاية الاسبوع مهما كان سبب العقوبة مثل ارتداء خاتم او التلاعب في "زلف" الشعر و إضافه الى ذلك سوف يتم حجزهم نهاية الاسبوع، و لذلك حينما قدمت لساحة السيارات تعجبت بامتلائها و الجميع اتى مبكرا بل انهم يركضون بسرعة حتى قبل اغلاق البوابة و هذا ما شككني بنفسي و اخذت اركض معهم و حقيبتي على ظهري و انا اردد "والله و عرفولكم" ، سبق و ان ذكرت ان الطلاب لا يكترثون بمدة بقائهم في المعسكر، لكنني كنت مخطيء لان افعالهم ربما تدل على ذلك لكن في الحقيقة الجميع مثلي يود ان يخرج باسرع وقت ممكن، و من يطيق العيش في ظروف مثل هذه؟ استدل هذا الكلام من كثرة اسألتهم و نقاشاتهم التي لا تنتهي عن الفترة المتبقية لهم، حتى انني حينما ادخل الحمام اشاهد عبارات مكتوبة على الباب مثل "باقي 3 اسابيع على التخرج" و نحو لك، من ناحية تدريبات هذا الاسبوع اتى عكس توقعي و اصبحت اكثر سهولة بحيث اننا تعلمنا كل شيء و لم يبقى الا ما يخص الاسلحة، اكتشفت شعور عجيب ان متعة التدريبات تكون بشدتها و قسوة مدربيها مثلما كانوا في السابق يدربونا لساعات متواصلة و العرق ينفجر من كل مكان اضافة الى الرعب من اي خطأ ترتكبه يكلفك الجزاء. 

حينما اتذكر ما كنت اعتقده قبل دخولي للدورة و ما سوف اتعلمه اجد الامر مغاير عن الواقع، كنت اعتقد ان التدريبات سوف تكون مكثفة لكل ما يخص المعارك و الحروب لكن طوال شهرين كل ما تعلمناه هي اساسيات عسكرية لا تفيدك في الحروب،  في يوم الثلاثاء تم الغاء فترة التدريب و جعلها وقت لتنظيف الحظائر، حيث هذه المرة شاركت بجهد في العمل و تسلقت خزانات الملابس حتى انظفها من اعلى، امر يثير الغضب حينما يفتش الضابظ احد الحظائر و يستخرج ملاحظات من تحت الارض مثل "لماذا حواف الحظيرة قذرة؟" او يذكر ان اسرتنا غير مشدودة جيدا و غيرها من الملاحظات التي نحن مسبقا قد عملنا بها، اذا اتحدث عن النفسية بشكل عام تعحبت انني وجدت ما هو اصعب شيء تواجهه في اليوم، و هو ببساطة الاستيقاظ و ارتداء ملابسك العسكرية بما فيها من بسطار هذه لوحدها مجرد التفكير بها و انا استيقظ اشعر بالعجز و الكسل.  

خلال هذا الاسبوع حدث موقف خاص له علاقة بي و ربما الكثير اصبح يعرف اسمي جيدا لهذا السبب، حينما قدم قائد المدارس برتبة لواء و هي من اللحظات القلائل التي يحضر فيها الينا، استطيع ان اشبه قدومه مثلما ان ملك او امير قد حضر بسبب الاستعدادات و الحرص الزائد لكل ما يعكر المكان، حضر اللواء و ادخل سيارته بجانبنا و جلس في منتصفنا و اخذ يلقي كلمة عن الواسطة و الاحراجات التي يتعرض لها، و في وسط حديثه و بالتحديد حينما كان يقول "احنا الشيبان ايام العسكرية كنا نزحف على اكواعنا بالاسفلت و الدماء تقطر" نظر اللواء باتجاهي و قال لي "كأن كلامي مو عاجبك انهض" نهضت و انا اتسائل عن الغلطة التي فعلتها و بعد ان سألني عن اسمي قال "نفسك شينة يا الله روح امتد" ليس لدي سوى ان انفذ الامر لان اللواء ببساطة يمكنه ان يقذفني بالسجن، وسط نظرات الطلاب انزلت اكمام سترتي و جثمت على الارض الخرسانية الحارة تحت اشعة الشمس و انا افعل ذلك سألت المدرب الذي بحانبي "وش سويت؟ " لكن لا إجابة، اخذت بالزحف على اكواعي و ركبتي و لم استمر اكثر من عشرة دقائق حتى يطلب مني العودة، اتعرفون الامر الغريب؟  لقد شعرت براحة و انا افعل هذا الجزاء و لم اشعر  بحرارة الارض ابدا بل تمنيت ان استمر لا اعرف السبب بالضبط، هل لانني تحت انظار الجميع؟ او انني الوحيد في هذه الدورة و ربما في دورات سابقة الذي يجازيه "اللواء" بذات نفسه! خلال ذلك اليوم -يوم الاحد- استطيع ان اقول قرابة عشرة طلاب اعرفهم او لا اعرفهم يستوقفوني و يسألوني "انت فلان الفلاني اللي اللواء مدك؟" اخرين سألوني عن السبب و اجابتي لهم دائما انني لا اعرف ابدا، الكثير طرح احتمالات مثل انني كنت عبوس الوجه، او انه فقط يريد استعراض عضلاته، و إلى جانب من استوقفوني عن هذه الحادثة الكثير اخذ يطلق تعليقات مثل "انت ما عندك تحط راسك براس اللواء؟ و لا مو عاجبك كلامه؟" او "خلاص ما بعد اللواء الا متعب بن عبد الله" و ثمة مفارقة في ذلك الموقف، انني طوال فترة الدورة لم اجازى بشكل فردي من اي رقيب او ضابط او رائد او حتى عميد، دائما عقوباتي تكون مع الجماعة و لم "يمدني" احد بشكل فردي الا ذلك اللواء اي انني وصلت لقمة الهرم مباشرة، لذلك هذا يضفي صورة من الشموخ و الاستكبار تجاه الطلاب، و اخذت استخدمها سخرية تجاه الطلاب و اقول لهم "انت و اشكالك ما يزحفك الا رقيب او ضابط ابو ثلاث نجمات" و البعض يريد يسخر مني بسبب هذه الحادثة و يقول لي "امتد قدامي" و ارد عليه "انا ما يمدني الا لواء يا تعبان" ، بالطبع ان يزحفك احدهم مهما كانت رتبته لا يوجد بها شرف او قوة، لكن بما اننا عسكريين نعيش في عالم اخر و الزحف و العقوبات امور مألوفه و نستخدمها في السخرية او التفاخر لكن ما حدث لي يعتبر واقعة جديدة من نوعها. 

خلال وجود اللواء طلبوا الطلاب منه "يوم طالب" و هو باختصار يوم اجازة كان موجودا في الدورات السابقة ما عدا دورتي بما انها قصيرة، حاول العميد ان يلغي هذه الفكرة لكن الطلاب انتصروا عليه حينما اخذوها من فم اللواء بذاته، يوم الاربعاء تم إرسالنا الى ميدان خارجي حيث يحتم علينا ان نتدرب على اسلوب تخطي الحواجز و العقبات، بحيث يجب اولا ان اجتاز اسلاك شائكة على الارض و من ثم الزحف على الارض و الاحتماء في احد الاغصان الاصطناعية و من ثم الركض و المراوغة و حولك بعض الحفر و من ثم الزحف على ظهرك اسفل احد الاسلاك الشائكة و من ثم اجتياز جسر من جذع شجرة و الوصول الى الخندق بأمان، و نحن نؤدي هذا التدريب و على بعد مني اناس اخرون في ميدان اخر يتدربون على الاسلحة بحيث امتزج صوت اطلاق النار مع تدريبنا و اعطى شعور بالواقعية، و بالطبع كل حاجز له طريقة خاصة لاجتيازه و لا يعتمد على العشوائية ، و في الحقيقة نوعية هذه التدريبات هي التي كنت انتظرها و هي الوحيدة التي تشعرني انني عسكري فعلا، خلال ذلك اليوم يوم الاربعاء كنا نعلم ان يوم الخميس هو "يوم الطالب" و على اثرها سوف نخرج اليوم الاربعاء، لكن بعد التدريب اخبرونا ان تم الغاء ذلك بسبب ان هناك "مرابطة" لجميع العساكر بما فيهم نحن! اصبنا بالصدمة و كنا نرى في طريق خشم العان ثمة مدرعات تباشر تدريباتها، اتى بعد العودة الى المعسكر خطب بنا وكيل رقيب السرية و اشعرنا و كأننا على اعتاب حرب، اخذنا نتسائل "وش السالفة؟" سألنا رقيب اخر و اخبرنا ان امريكا سوف تضرب سوريا و احتمال هجوم الينا من قبل ايران، اخذ رأسي يتخيل امور كثيره مثل انني اقاتل في جبهة الحرب، في الحقيقة اعجبتني هذه الصورة التخيلية، احدهم اخبرني ان لو حدث حرب فعلية الى السعودية سوف  يتم تسليمنا شهادات تخرج و يستعينون بنا، بعد شد و جذب و وساطات اقتنع العميد اننا لازلنا لا نملك الخبرة الميدانية و وافق على صرفنا بشرط ان يأخذ ارقام جوالاتنا و في اي لحظة يحتاجون إلينا سوف ننطلق اليهم مباشرة.      


31 اغسطس الى 5 سبتمبر 
25 شوال الى 29 شوال 

رغم ان فكرة المذكرات هذه لم تكن مخطط لها من البداية، لكن خلال تلك الايام اصبحت احاول  تحسس مشاعري حتى اصفها بدقة هنا، حاولت ان انقب عن اي امر جيد خلال كل يوم في المعسكر، لكنني لم اجد سوى انني اريد الخروج بأسرع وقت ممكن و ان الايام اصبحت مثل تلك الحشرة التي تدفع فضلاتها ، مثلما ذكرت في بداية المذكرات ان ما يخفف من تلك الايام هي اللحظات الطريفه و ما اكثرها و ان لم تكن موجودة سوف يتم اختلاقها، خلال هذا الاسبوع و في ليلة الاحد و نحن على اسرتنا و تحت جنح الظلام اخذنا نتحدث عن احداث سوريا و بالتحديد عن ضربة امريكا لها و تبعات هذا الامر علينا، و لاول مرة هناك حدث سياسي على الشاشات اشعر بتأثيره علي شخصيا مباشرة، لان اي حرب ستنشب سوف يتم الاستعانه بنا بأي شكل بما اننا لازلنا تحت قيادة الحرس الوطني، تعجبت ان احد الطلاب كان قلقا من هذا الامر بشدة، و البعض الاخر خارج التغطية و هناك من لا يبالي بذلك و ان سيأتي اليوم الذي نخرج من هنا، شخصيا فكرة مشاركة حرب دخلت في "مزاجي" بسهولة، لكن على الجانب الاخر كل يوم احن للايام العادية و اصبحت كلما ارى اي شخص خارج الحياة العسكرية اشعر انه ينتمي الى عالم اخر، يوم الاحد تدربنا على رمي القنابل عمليا و لاول مرة اعرف ان لها خطوات محددة و ليست عملية عشوائية و على اية حال القنابل التي قذفتها اشبه بالالعاب النارية، لدرجة ان احد الطلاب المغفلين قذفها تحت قدمه و وضع المدرب قدمه عليها حتى تنفجر تحت قدمه، موقف مثل هذا كان لنا اشبه بمشاهدة مسلسل كوميدي حيث انفجرنا بالضحك، تبع ذلك ان ذهبنا للميدان في الخارج لنتعلم الرماية، لكن اصبت بخيبة امل و شعور بالسخرية و لحظة و كأن الدورة كلها اشبه بالنكته حينما لم يسمح لنا بالرماية لأن الذخيرة لا تكفي! تم تدريبنا على لبس قناع الكيماوي و كان معقدا و مزعجا في ان واحد، لا يوجد الكثير ما يذكر خلال هذا الاسبوع سوى ان "زنوباتي" سرقت و استمرار الطلاب بنعتي بلقب "اللواء".     


7 سبتمبر الى 12 سبتمبر 
2 ذي القعدة الى 7 ذي القعدة 

استطيع اطلق على هذا الاسبوع باسم "الايام المعدودة"، الجميع يحصي الدقائق و الثواني لموعد الخروج، كلنا نعلم انه اخر اسبوع لكن لا نعرف متى يوم التخرج، كالعادة منذ ان وطئت قدمي المعسكر معلومات كهذه صعبه استخراجها حتى اخر يوم، و حى الان و انا اكتب هذه الكلمات لا اعرف متى اخر يوم كل ما اعرفه ان الاسبوع القادم سوف يكون هناك دوام جزئي و سوف تأتينا الاخبار كاملة جميعا، نتيجه لتلك الايام الاخيره كثر الاهمال و اللامبالاه من قبل الطلاب و استقبلنا الضباط بالمقابل بسلسلة يومية من العقابات التي لا نكترث لها، ما تعجبت منه ان حتى الان لا زال هناك ضباط يكرر تلك العبارة التهديدية "و الله لا اكرهك بالبدلة العسكرية"، يوم الثلاثاء لوحده يساوي احد ايام الاستجداد حيث لم نذق طعم الراحة، و على اتفه الامور يتم مجازاتنا، في ظهر هذا اليوم تم معاقبتنا بالركض حول المعسكر ثلاثة مرات و تستطيع ان تتخيل اصوات السعال من الطلاب بما ان اغلبهم ان لم يكن جميعهم مدخنين، في نفس اليوم تم ايقاظنا من  منتصف النوم و اصطفينا كالعادة حيث اخبرونا ان احدهم كان يريد تهريب عشاء داخل المعسكر، هناك الكثير من التجاوزات قبل الطلاب و الكثير من العقاب لنا لكنني لم اشعر بأي ضيق بما ان لم يبقى الا القليل، بالعكس الكثير من تلك العقابات تم تحويلها للحظات مزح و ضحك، و حتى اوضح مدى الاستهتار الذي وصل بنا، ذلك ان احد الايام استلم على السرية الثامنه مدرب من السرية السابعة، و بجانبنا كانت تلك السرية "الحمراء" او السابعه مصطفه، و خلال محاولة المدرب اصفافنا لاحظ المدرب ان سريته كانوا يتحدثوا بصوت عالي، غضب المدرب منهم و قال "حنا كنا نضحك على السرية الثامنه طلعتوا مثلهم"، و على اثر هذا العبارة انطلق اصوات "احم" من مختلف الطلاب في سريتي دون اي مبالاه، طبعا لا داعي ان اقول ان تم مجازاتنا على ذلك و  نحن نكتم انفاس ضحكنا، استمرت جرأتنا اكثر و اخذنا ننشد في الهرولة بعيد عن اعين المدربين قصيدة "خذ بدلتي و بريهتي و البساطير، و سلم عليهم قلهم يفصلوني"، على صعيد التدريب تعلمت كيفية تفكيك سلاح رشاش "فال" ذو الرصاص المتلاصق ببعضه، و شعرت بمتعه بالتعامل مع السلاح مجرد مسكه من ذراع لاخرى رغم ثقله، و عزمت بعد الدورة على شرا ء سلاح شخصي و بالفعل تعرفت على طالب لديه خبرة في تجارة الاسلحة و اتمنى ان تمر الصفقه على خير.  

         
15 سبتمبر  
10 ذي القعدة  

بالفعل لم يبقى الكثير، حضرت يوم السبت و يوم الاحد كان هناك تدريب رماية فعلي بسلاح رشاش "فال" الثقيل و الذي يستخدم دائما مثبتا على عربات السيارة، كانت تجربة رائعة اطلاق النار 5 رصاصات، كنت اخشى من تأثير صوته على اذني لكن رغم انه فعلا ذو صوت مزعج لكن ضجيجه يختفي في لحظتها و حينما تطلق تشعر حرفيا بانفجار الطلقات من فوهة السلاح، اليوم اعني يوم الاحد تم إطلاقنا و تحديد موعد "حفل التخرج" يوم الخميس حيث ودعت الحظيرة للابد و لم تكن بيننا مشاعر متبادلة، مضت الثلاثة شهور و كأنها ثلاثة سنوات و ذلك حينما اتذكر اول يوم احضر للمعسكر و كانت نفسيتي في اسوأ درجاتها، لكن الان لا اصدق ان كل شيء انتهى رغم ان المدربين و الضباط يحاولوا في كل دقيقة تذكيري بأني عسكري، حيث لا اكذب حينما اقول تم اصففانا طوابير اكثر من 5 مرات متتالية و في مختلف مواقع المعسكر و تم استغلالنا ايضا اكثر من مرة في تنظيف الحظائر و الميدان و حتى فجأه نزل عليهم الوحي و اخذوا يشددوا في قوانينهم، حسنا، سوف احتفظ ببعض الكلمات حتى اخر يوم التخرج. 


19 سبتمبر  
13 ذي القعدة  

بشرى سيئة، تم تأجيل يوم التخرج الى يوم الاثنين، يبدو انهم يريدوا امتصاص دمائنا حتى اخر رمق.  


23 سبتمبر 
17 ذي القعدة 

في الوقت الذي يستمتع الجميع بإجازة اليوم الوطني، و تنتشر اللافتات الخضراء في الشوارع وتنهق الاذاعات بالاغاني الوطنية، وصلت لمرحلة ان اريد تكسير كل ما امامي حينما اخبرونا ان يوم التخرج سوف يكون غدا، لا اعرف متى انتهى من فك اخر خيط بهذه الدورة.    

حولي الان مجموعة من الشباب لم يفعلوا شيء سوى انهم يرتدوا ثياب خضراء و يصرخوا باتجاه السيارات، اشعر حرفيا بالتقيؤ كلما انظر إليهم. 


24 سبتمبر 
18 ذي القعدة 

كما تقال في الافلام الامريكية، This's it. 

انتهى كل شيء، انتهى عناء و إرهاق ثلاثة اشهر اوشكت إلى اربعة اشهر، انتهى وقت لعبي للدور العسكري، الحياة العسكرية برمتها لا تجب ان تقلقني بعد الان، لاكون اكثر صدقا انتهى عامين كاملين التفكير بهذا اليوم، لا اكذب حينما اقول قبل هذه الدورة كلما يحدثني والدي عنها طوال عامين ينقلب يومي الى اكتئاب حاد، كانت كالحمل الثقيل و الكابوس المقلق، كشخص يكره العسكرية و لم يتوقع يوما ان يجد نفسه في الميدان يرتدي القبعة العسكرية و البساطير، لا اعرف كيف مضت تلك الايام خصوصا في بداية الدورة و التي لو قيل لي احدهم ان تعيد الزمن مجددا لها لانتحرت، كانت لحظات عصيبة و صعبة احمد الله انني اجتزتها و انهيت الدورة بأكملها، اليوم حينما تم توزيع شهادات التخرج و لم يكن هناك حفل كبقية الدفعات بسبب كونهم مرابطين من اجل احداث سوريا، وقت التخرج مضى سريعا لدرجة حينما استلمت الشهادات سرت سريعا خارج الاسلاك الشائكه للمعسكر و لم القي حتى نظرة خاطفه للخلف و لم اودع بعض الطلاب الذين بكل تأكيد لن ارهم مرة اخرى، بدا الامر و كأن شبحا يسكن هذا المعسكر او وحشا يلاحقني هناك، الكثير من الطلاب عبروا عن فرحتهم اما بقذف ملابسهم العسكرية خارج المعسكر و البعض الاخر شغل مذياع الموسيقى في السيارة و اخذوا بالتراقص، اما انا اخذت نفسا عميق و خرجت بالسيارة بهدوء و طوال الطريق كنت اسير ببطء شديد و شريط ذكريات الدورة يسير امام عيني، ذلك اليوم المترب حينما زحف 149 طالب على اكواعهم بأمر من الضابط، او التعذيب حينما نؤدي التدريب قرابة 3 ساعات و العرق يبلل قبعتي، او الالم الشديد حينما تستيقظ من النوم و لم تأخذ كفايتك منه، او لحظات القسوة التي تتحول للحظات ضحك بفضل زملائي، او حتى وفاة جدتي حينما كانت بين يدي ، لكن كل لحظة ادفع نفسي للهرولة قبل طلوع الشمس اشعر بالفخر لانني اقوم بأمر ذو منفعه لي بشكل مباشر او غير مباشر في الوقت الذي يقبع الكثير موتى شاخرين في فراشهم،  اخذت انظر لمعالم شوارع الرياض اردت ان اتذكر لحظة جيدة واحدة في المدينه لم اجد، منذ ان وطئت قدمي الرياض خضت تجارب و مواقف لم اخضها طوال حياتي في ينبع، كما كنت اعتقد ان الرياض لطالما كانت تبصق في وجهي و حان الوقت ان اتغوط عليها. 

نلت المرتبة 20 من 150 طالب و هذا انا لم اكلف نفسي بالاجتهاد في حل ما يسمى اختبارات، إذا سألني احد هل العسكرية غيرت بي شيء؟ سأجيبه انني لا استطيع الحكم على نفسي وحدهم الاخرون يلحظون ذلك اذا بدأت العوده للعالم الطبيعي، لكنني ارى بنفسي ثمة جرأة او ثقه بالنفس لا اعرف ما اسميها لكن استطيع ان اصفها بعدم الاكتراث بالاخرين عند اي فعل اقوم به، و اذا احد قال لي هل استفدت شيئا من هذه الدورة؟ اذا بالمعنى العسكري، لا، بالطبع اصبح لدي المام بالمجتمع العسكري و انه اسوأ صنف للعمل، ولكنهم لم ينجحوا بتعليمنا اية "علوم عسكرية" ما عدا اختبار صبري و تحملي في مواقف صعبه، لكن  ما اريد ذكره هو ان تلك الدورة اعطتني بعض الحكم بشكل غير مباشر ذكرت بعضا منها في سطور سابقه، بحيث انني اكتشفت ان ثمة جوانب في الحياة لا تستطيع استكشافها الا بعد ممارستها، و ان لا تنظر للسيء بل توقع الاسوأ فهي الوسيلة الوحيدة للتكييف معه، و ان تختبر مدى قدرتك للتحمل و الصبر فإذا سألت نفسك هل هذا اقصى ما لديك سوف تصمد اكثر تلقائيا، لا اعرف اشعر ان الحياة قصيرة جدا في مضيعتها بدون فائدة، فكلما يمضي سنة من عمري اشعر بالحرقة انني لم انحز شيء افتخر ، ثمة امور اصلتها العسكرية بي و احتاج لبعض الوقت لمحوها، مثل عدم تمكني للنوم في الصبح و بشكل عام عدد ساعات النوم تقلصت بشكل مخيف، بعض الاهازيج العسكرية لازالت محفوره في دماغي، بعض اللحظات امشي مشية المشاة و اعتبرها نوعا من التسليه، حينما اذهب لدورات المياه  اتأكد جيدا اذا تحتوي على ماء، و قارورة الماء اصبح بيني و بينها علاقة حب، حسنا يبدو ان حان وقت اغلاق هذا المذكرات و اغلاق هذه التجربة في حياتي بكل حلوها و مرها -ان وجد- و غدا سوف احرك مفتاح السيارة و انطلق الف كيلومتر الى الديار.         


1 التعليقات:

غير معرف يقول...

وااااه يا محمد !!
لم تعلم كيف مكثت مذكراتك معي طول يوم و ليلة بكاملها، فكلما يكون لي وقت يتسنى لي بقراءتها في جوالي افتح الصفحة بسرعة لأعيش معك التجربة مجدداً.

ما لفت انتباهي أكثر ملاحظتك الأولى و العنوان أيضاً، بإن ما مررت به ما هو الا فقط جزء من هيكل كامل يدعى بالعسكرية! فقط جزء !

ضحكت بشدة كل ما تذكر احد الاهازيج في سطورك، خاصة صباح الخير يا بلادي.كيف حفظتموها، وكيف تتناغم اصواتكم معاً، و كيف تعتبروها امراً مسلياً،ذلك ما كان يتردد في ذهني.

و كرهت نايف مشعل و افراض قوته عليكم، فهؤلاء من البشر لديهم خصلة نفسية في رؤية الجميع تحت سيطرته،تحت تعذيبه، كدمى يتحرك بحبالها كيفما يشاء،تماماً،كالحكام العرب.

بالنسبة لقوة تحملك الجسدي للأنواع الصارخة من العذاب البدني متناقضاً مع بنيتك و وضعك الصحي، اعتقد ان الامر لا يرتبط نهائياً بكيفما تعمل عظامك او عضلات او نحو ذلك، الأمر كله يكمل في داخلك،اعني قوة صمودك العجيبة و السيطرة على نفسك.

أحببت انك بالرغم ان تكره كل ما يحدث من حولك بشدة، الا انك تتحمله و تعلن عصيانك للألم و القرف و القهر فقط بالتحمل و الصمود ، ذاكراً لنفسك بأن الأمر كله مرهون بالوقت، الوقت لا غير.

أتساءل ماذا حدث للطالب شبيه زميلك الجامعي بعدما خرج من المعسكر؟ هل يشعر بأنه هرب من موقف يتحتم عليه ان يكون فيه بغض النظر عن بشاعته؟ ام هل يشعر بالرضا تجاه نفسه؟ و كيف ردة فعل الجميع من حوله؟

لا استطيع ان امنع نفسي في ان اتحدث في الجانب الفني لتلك التدوينة، رائعة و سلسلة و موزونة من ناحية عرض الاحداث و الوصف، خاصة في جزئي البداية و النهاية لكل مذكرة.

كثرت تعرضك لألفاظ اللعن و البصق تضحكني بطريقة مؤلمة، فأستخدام المواقف الغير محتملة بتعبيرات كوميدية سوداء فن قلما يبرع فيه الكاتب.
و كأنما طيف ستيفن كينغ اراه عبر تعبيراتك.

نعود لتدوينتك كمضموناً، اعتقد التغيرالأهم بأن معيار الصبر و التحمل قد ازداد كما ذكرت، و ذلك بأن لاحقاً ستتعرض لمواقف اسوأ فتضعها فوق الميزان في كفة و الكفة الاخرى ايام العسكرية لتقارن بينهما. و الأكيد، بأن الأخيرة لها من الثقل ما يجعلها ترفع الكفة الأولى.

اتمنى لك مستقبلاً رائع من الآن فصاعدا و للأبد.

إرسال تعليق